المرارة تأباها النفس وتنقبض عنها ، والحلاوة ترضاها النفس وتنبسط بها .
وتقول : ذاك طيب موافق ، وهذا مخالف غير طيب ؛ وهذا يقطع ويفرّق « 1 » ويزعج ، وهذا يرمّ ويجمع ويسكّن ؛ وهذا تقبله المعدة ، وهذا لا تقبله . .
وكذلك بين الحلوين والمرين ، يفرّق بينهما إذا كان الذوق سليما ؛ أما إذا فسد الذوق ، فقد تجد الحلوّ مرّا ، كما قال الشاعر :
ومن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزّلالا « 2 »
[ الخفيف ]
وكذلك ، نسبة مبدأ هذا الأمر إلى منتهاه ، فإن مبدأه مرض ومنتهاه صحة . فإن القلب ذو مرض في الابتداء ، فإذا داواه الشيخ الطبيب الحاذق ، صحّ وصار سليما ، فيذوق في الأول حلاوة العبادة مرارة ، ومرارة المعصية حلاوة ؛ فذا صحّ القلب وسلم ذوقه ، سلمت الأتباع كلها .
مسألة :
هل يسقط التكليف عن عبادة الخواص ؟ نعم . . بمعنى أن التكليف مأخوذ من الكلفة ، وهي المشقة . فيعبدون اللّه تعالى بلا مشقة وكلفة ،
هامش
( 1 ) القطع والتفريق . . إلخ ، من مصطلحات الطب العربي القديم ؛ كانوا يصفون بها خواص الأدوية والنبات وأثرهما في الجسم . وبخصوص المعاني المتعددة لكلمة « تفرق » يمكن الرجوع إلى ما كتبه « القوصونى » تحت هذا اللفظ في كتابه المخطوط : قاموس الأطباء وناموس الألباء .
( 2 ) البيت من قصيدة للمتنبى ، في مدح بدر بن عمار ، يقول مطلعها :بقائى شاء ليس هم ارتحالا * وحسن الصبر زموا لا الجمالا