تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
هامش
الرحمة ، فكم من مبتلى ابتلاؤه عين الرحمة في حقه ؛ لأنه به يعرف قدر العافية ، وفي حق غيره ؛ لأنهم يعتبرون به . وكم من معافي عافيته عين الغضب في حقه ؛ لأنها تكون استدراجا له ، وفي حق غيره إن كانوا من أهل الابتلاء ؛ إذ به يردّون الأقضية الإلهية ، ويعترضون على اللّه تعالى في أحكامه الأزلية المبرمة . والإصبعان : الصفتان المتضادتان من الهداية ، والإضلال ، والرحمة ، والغضب ، والإكرام ، والإهانة ، والإعزاز والإذلال ، وغير ذلك . وبذلك يتحوّل العبد من حال إلى حال : مرة من الحالة الحسنة اعتقادا وعملا إلى الحالة السيئة اعتقادا وعملا وأخرى بالعكس ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ[ الأنفال : 24 ] . فإنه إذا كان حائلا بينه وبين قلبه ؛ كان أقرب إليه منه ، فيفعل ما يفعل من التصريفات على ما يقتضيه استعداده الأزلي ، الغير المجعول التابع له الحكمة الإلهية ، فتصريفه إياه من حال إلى حال : أي حال كان عدلا محضا من اللّه تعالى ؛ فإن اللّه تعالى ليس بظلام للعبيد . فمن وجد خيرا ؛ فليحمد اللّه ، ومن وجد خلافه ؛ فلا يلومنّ إلا نفسه ، فالكل يجري على القضاء الأزلي ، والسر القدري لا يقدر أن يخالف ذلك ؛ ولكون فهمه من الغوامض ؛ منع العامة من بحث القدر ؛ بل الخواص أيضا ، وإن كانوا قد فهموا ذلك ؛ لأن البحث عنه يفضي إلى تعطيلات فاسدة ، ثم إنه تعالى شبّه تقلب القلوب كلها مع كثرتها بتقليب قلب واحد ، لما يقتضيه سر الحقيقة ، فإن العين واحدة ، والكثرة إنما هي باعتبار التعينات الخارجية . فكما أن أنوار الشمس وأشعتها لا تتجزّأ إلا باعتبار الكوى والمنافذ ؛ فكذا نور الوحدة ، ومنه يعلم سرّ قوله تعالى :وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما[ البقرة : 255 ] ، وقوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ[ فاطر : 41 ] ونحوهما . وإضافة المشيئة إلى نفسه كما في قوله تعالى :وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ الإنسان : 30 ] ؛ لأن الحقيقة الإلهية الظاهرة في كل فرد من أفراد الكائنات هي الفاعلة المؤثرة .