لأن الكلمة التي هي أم الكلمات ، وروح العلم الذي هو جامع أسرار الصفات القائمة بغيب الذات ، المتجلّية في كرائم الأمهات وبواطن الأسماء والمسمّيات برقائق أرواح المعلومات المجرّدات عن صور الحروف المنطوقات والرسامات والمسموعات والمبصرات ؛ عبارة عن القوة القادرة الناظمة والناثرة والموجدة الجاعلة ، والمعدمة الفاصلة ، لم تزل تبرز من العدم بحقائق الكلم ، وكانت قوابلها المستعدّة لقبول إلقائها وتلقيها ومرائيها المتهيئة لأنوار تجليها ، وصور تحليها ؛ قوة القلب الذي كتب فيه الرب ، وسرّ الفهم المجرّد عن الوهم ، وصحة الذوق الخالي عن شائبة الشوق والإلهام القدوس الخالي عن وساوس النفوس .
واعلم أن هذه الحقائق المذكورة والأرواح المشكورة ؛ معلومة في مصطلح الصوفية مشهورة ؛ لكنه وراء كل مرسوم ومعلوم سرّ خفيّ ومكتوم ، فمن تحقّق بهذه الأسرار والألباب ، سمع الخطاب ، وفرّق بين الخطأ والصواب ، وتحقّق أن المتكلم هو العالم ، وهو المحيط في كل ناثر وناظم .
وقال الشيخ الأكبر - قدّس سرّه - في الباب الثامن والستين : المراد ب « كنت سمعه وبصره » إلى آخره : انكشاف الأمر لمن تقرب إلى تعالى بالنوافل ، لا أنه لم يكن الحق سمعه قبل التقرّب ، ثم كان الآن تعالى اللّه عزّ وجل عن ذلك ، وعن العوارض الطارئة . قال : وهذه من أعز المسائل الإلهية انتهى .
وقال الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية ( 2 / 483 ) : « وأما قوله تعالى :
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
[ التوبة : 6 ] . فذلك لأهل السماع من الحق في الأشياء لا من بين الأشياء عبارة عن النسب وهي أمور عدمية لا وجودية ، فإذا كان الحيث منها كان بلا واسطة ، وإذا كان من الأشياء ، فذلك قوة الفهم عن اللّه ورد في