وهذا لا بدّ منه في طريق التعريف ، وإلا لم يكن يعرف .
وكذلك القول في رؤية ذات اللّه عزّ وجل ، فإنها منزّهة عن الشكل والصورة ، ولكن لا يتعقل عبد معرفتها إلا بواسطة تخيل مثال محسوس في الصورة الجميلة التي تصلح أن يمثّل بها ذلك الجمال الحقيقي المعنوي ، الذي لا صورة فيه ولا لون ولا شكل ، ثم يطلق على ذلك المثال أنه حقّ وصدق ؛ لكونه واسطة في التعريف .
ويقول النائم : ( رأيت ربّي في المنام ) ، وليس مراده أنه رأى ذات ربه حقيقة ، وإنما رأى مثال ذاته المتخيلة في وهمه .
فإن قيل : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم له مثل ، واللّه تعالى لا مثل له .
قلنا : هذا كلام من هو جاهل بالفرق بين المثل والمثال .
فإن المثل هو المساوي في جميع الصفات ، والمثال لا يشترط فيه المساواة .
وتأمّل العقل ؛ فإنه معنى لا يماثله غيره ، وكثيرا ما يمثل بالشمس وليس بينهما من المناسبة إلا شيء واحد .
وهو أن المحسوسات تنكشف بنور الشمس كما تنكشف المعقولات بالعقل .
وقد ضرب اللّه عزّ وجل المثل لنوره بقوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ
الآية . وأيّ مماثلة بين نوره ونور الزجاج والمشكاة والشجرة والزيت ، وكذلك ضرب اللّه تعالى المثل للحياة الدنيا بالماء النازل من السماء .
وضرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم المثل للإسلام بالقبة ، وضرب المثل للعمل باللبن ، وضرب المثل للقرآن بالحبل .