القدرة في هذه الدار ، لذلك اقتضت ارتباط المسببات بالأسباب في الدنيا ، كما أن في الآخرة الظهور للقدرة مع بطون الحكمة .
والعمل في الآخرة على ما خرجت عليه من الدنيا إلى الآخرة ، فمن وفق في الدنيا للأسباب كان ذلك علامة على حصول مسبباتها من مواعيد اللّه الكريم عليها كعلامة الدخان على النار ، وقد تنال تلك السعادة مع التوحيد بدون ذلك ، لكن كما أن الرزق لا ينال غالبا إلا بالحركة مع القطع أن القدرة في إيصاله إلى العبد غنية عن الحركة ، وقد يحصل الرزق الكثير بدون حركة ، فلذلك تلك السعادة والعمل على الغالب .
وإيضاح ذلك أن أفعال اللّه على نوعين :
أحدهما : بطريق تدبير الحكمة ، أي تكون الشيء إلى مدة معلومة كالشجر إذا غرس يثمر في أوانه .
وثانيهما : بطريق تصريف القدرة مثل قوله : كن فكان في الحال ، والذي كوشف بصرف المعرفة من أولياء اللّه تعالى يرى تصريف القدرة من سر تدبير الحكمة ، أي : إن من يقدر مثلا على قوام البدن بالقوت الجسماني قادر على قوامه بالقوت الرحماني من غير غذاء ظاهر كما قال سيدي أبو عبد اللّه القرشي نفع اللّه به :
« العارف هو الذي يرى تصريف القدرة وتدبير الحكمة في نظرة سيان » .
وذلك أن العارف الذي وصل إلى مقام تصريف القدرة ، أعني إذا قال للشيء كن فيكون في لحظة واحدة كإثمار الشجر في ساعة واحدة بخلاف مقتضي العادة ، ثم صدر منه فعل على طريق تدبير الحكمة ، كأن غرس شجرة وأثمرت هذه
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 305
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٣٠٥