ومما يدلك على شرف هذا العلم أيضا ما روي : أن رجلا جاء إلى معاذ ؛ فقال : أخبريني عن رجلين أحدهما مجتهد في العبادة كثير العمل قليل الذنوب إلا أنه ضعيف اليقين بعثور الشك ؟ فقال معاذ : ليحبطنّ شكه عمله .
قال : فأخبرني عن رجل قليل العمل إلا أنه قوي اليقين وهو في ذلك كثير الذنوب !
فسكت معاذ ؛ فقال الرجل : واللّه لئن أحبط شك الأول أعمال بره ليحبطن يقين هذا ذنوبه كلها ، فعند ذلك أخذ معاذ بيد الرجل ، وقال : ما رأيت الذي هو أفقه من هذا !
وفي وصية لقمان لابنه : يا بني لا يستطاع العمل إلا باليقين ، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه ، ولا يقصر عامل حتى يقصر يقينه .
وبالجملة : فلا ينفع العمل بدون التنوير المفيد للمعية وانشراح الصدر كما قال معاذ ، بل ها التنوير يزيل ظلمة المعاصي فيوفق للتوبة كما قاله سائل معاذ لا عمل بدون هذا التنور ، وذلك لأن العمل إنما سمي عملا عند تكميله بأداء حقوقه .
ولا يمكن ذلك مع بقاء ظلمة النفس كما أشر إليه لقمان فتنبه لذلك أيها الطالب الراغب ، فإن أهل المعرفة قالوا : إذا أراد اللّه بعبد سوءا سدّ عليه باب العمل وفتح باب الكسل ، وقالوا أيضا : علامة رضا اللّه على العبد نشاطه عند الطاعة وتكاسله عند المعصية ، وعلامة سخطه عليه نشاطه عند المعصية وتكاسله عند الطاعة .
ومن ثمّ قال القطب الشريف عبد اللّه العيدروس : والكنوز كل الكنوز في دفائن المجاهدات .
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 303
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٣٠٣