تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
ولا يتأتى لمن استدام المخالطة مع الخلق والكلام معهم ما لم يتجدد بنور في باطنه كلما وقع عليه شيء من ظلمتهم ، وذلك لأن المخالطة والمكالمة تقوي النفس لا محالة ولو بعد حين ، وإنما دخلت الفتنة الداعية إلى ترك الخلوة والسفل بالعبادات الظاهرة على المغرورين بطيبة النفس المدعين للقوة الروحانية التي لا يعارضها شي يحتاج له إلى الخلوة حتى وقع لهم الاسترسال في الكلام من غير مرتجعة إلى اللّه تعالى ، وفي المخالطة مع الممازحة الكثيرة من غير عود إلى خلوة لقلة معرفتهم بصفات النفس ، وأن من شأنها الظهور بأدنى معين يوافق هواها واغترارهم بيسير من الموهبة ، ولم يعلموا أن حفظها صعب مع هذا الاسترسال بل محال في الأكثر ، وهذه القلة بمعرفة صفات النفس والاغترار لقلة تأدبهم بالشيوخ الكاملين المكمّلين من السلف فتوهموا أن النفس لما فنيت هلكت بالكلية وانعدمت من أصلها وليس كذلك ، بل هو عدم شعور بها وإلا فهي باقية في الباطن ، فلا بد من سياستها فلا يخليها عن مذكرنا إلا لفائدة تقوم مقامه كما قال الجيند - نفع اللّه به لأصحابه - : « لو علمت أن صلاة ركعتين أفضل لي من الجلوس معكم ما جلست عندكم » « 1 » ، فالجلوس إنما يحسن بقدر ما يفيد الإرشاد الذي هو أفضل من النوافل ، « لئن يهدى اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » « 2 » قاله كرم اللّه وجهه ، فإذا لم يكن للإرشاد فلا معنى له ، وإذا كان كذلك فإذا رأى الفضل في الخلوة لكون الجلوة للفضول تخلي ، وإذا رأى الفضل في الجلوس لكونه للإرشاد يجلس مع الأصحاب الذين هم إخوانه في الطريق ، وإذا رأى الفضل في الخلوة والجلوة ، فتكون الجلوة حامية للخلوة عن الملل
هامش
( 1 ) انظر : قوت القلوب ( 1 / 330 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 3009 ) ، ومسلم ( 1872 ) .