أبو يزيد - قدس اللّه سره : « من لم يكن له أستاذا فإمامه الشيطان » « 1 » .
وهذا كلام منه جريا على الأغلب كما ذكرنا أن الجذبة نادرة جدّا ، وإلا فيجوز أن يجذب اللّه تعالى شخصا ويرفع عنه هواه ، فلا يكون للشيطان عليه سبيل ، لكنه نادر الوقوع ، والنادر في حكم العدم ، ومع ذلك فقد مثل الدّقاق - قدس اللّه سره - بالشجرة النّامية بنفسها من غير غارس من حيث إنه استقل بعقله في دفع هواه لتحصل له التصفية المثمرة للتجليات الغيبية .
وقلما تحصل هذه الثمرة من غير شيخ ، كما أن تلك الشجرة لا تثمر غالبا ، ويجوز أن يحصل له التجلي العيني ، كما لا يجوز أن تثمر الشجرة ، إلا أنه ليس لفاكهتها طعم فاكهة البساتين ، فكذا لا يكون لتجليه ذاك الكمال ، إذا قلما يستقل بمعالجة دقائق أمر من « أمور » الهوى الخفية بنفسه من غير تعليم طريق الأدوية ، وذلك لأن تصرف العارف بأي شيء كانت معرفته أثرا فيها يتصرف فيه ، ولهذا يكمل طعم الثمرة وعدد كثرتها إذا نقل الغرس من موضع إلى موضع آخر ، والشيخ بالمريد ينقله من مقام إلى مقام حتى ينتهي إلى الأحوال الشريفة « 2 » .
هامش
( 1 ) وفي رواية : من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان . تفسير روح البيان لحقي ( 7 / 393 ) .
( 2 ) قال الشيخ حقي : اعلم أن المرشد الكامل كالملك الذي ينفخ الروح في الجنين ؛ فإنه ينفخ روح الفيض في الجنين الذي يشتمله رحم استعداد المريد ، والمراد بالنفخ ، صورة اشتعال حطب الجسد بنار الروح ، ولمّا كان ظهور تلك النار في المحلّ من تربية النافخ ؛ جعل المرشد كالنافخ ، وليس إلا المظهر ، ففيه سرّ الخلافة ؛ ولذا قال تعالى :فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ[ المؤمنون : 1 ] ، وإنما كان اللّه أحسنهم ؛ لأنهم إنما يخلقون على صورة ما خلق اللّه ؛ فهم الفرع في ذلك ، واللّه هو الأصل والمبدأ .