حتى تنورت قلوب السامعين فمالت إليه قلوبهم ، ثم توالى عليه فتوح الغيب أنوار بعد أنوار ، وصار ظاهره مسددا بالأعمال ، وار باطنه مشاهدا للجمال والجلال .
وحينئذ صلح للجلوة لأنه لا يحتجب بشي عن شي حتى إنه صار له في جلوته معاني الخلوة « 1 » ، لأنه صار بحيث يغلب ويؤثر في كل شيء ، ولا يؤثر فيه شيء مما يراه ويسمعه . كيف لا وهو يفترس الناقصين من حضيضهم إلى مرتبة الكمال ، ولا تفترسه نفسه ولا شيطان ولا غيرهما من أرباب الضلال لتمكنه في الأعمال والأحوال ، فهو من الرجال القوامين على النساء نفوسهم ونساء نفوس غيرهم ، مثل هذا الكامل يؤهل للمشيخة ، لأنه يكمل الناقصين بالأعمال التي أخذ بها أولا إن كان في طريق المحبين ، ويكمل بإفاضة الأحوال إذ قد منح حالا من أحوال المقربين بعد ما دخل من طريق أعمال الأبرار الصالحين ، وتلك الحال مستقرة غير منقطعة ، إذ حصلت له بعد المجاهدة الموعود عليها الهداية ، قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا
هامش
( 1 ) لطيفة : قال الشيخ إسماعيل حقي الجلوتي : إن كان السالك مستعدا ؛ فيرجع بعد تلك المدة التي هي النهاية إلى البداية ، وإلا فلم يصلح حال العمر الكثير ، إذ من لم يهد اللّه ما له من هاد ، وربما يقع الفتنة بين الخلوتية بالخاء المعجمة ، وبين الجلوتية بالجيم من عدم تسليم أحديهما الأخرى ، وأمّا نحن فنقول : إن الجلوة بالجيم لا تحصل إلا بعد الخلوة ؛ فهي نهاية الخلوة .
فمن وصل من الخلوتية بالخاء المعجمة إلى نهاية المراتب ؛ فهو خلوتي بالاسم ، جلوتي بالمعنى ، ومن لم يصل من الجلوتي بالجيم إلى غاية الغايات ؛ فهو جلوتي بالاسم ، خلوتي بالمعنى ، إذ لم يظهر بعد بالأوصاف الإلهية في مرتبة البقاء فكيف يكون جلوتيا ؟ فله شرف الاسم المجرد فقط ، فليلازم الباب إلى أن يفتح اللّه عليه ما أراد . ويكون جامعا بين الخلوة والجلوة ، حافظا لحقوق الأسماء الليلية ، والتوحيد النهاري ؛ فذلك تجلّ واستتار ؛ بل تجلّ في عين الاستتار أبدا .