اتصف بوصف زائد على ما عاهدوه ، وهذا الترقي لا يختص بالقلب والروح ، بل في مثل هذا الترقي منهما تترقى النفس إلى محل القلب ، فتتصف بصفاته وتنخلع من صفاتها ، إلا أنها لقرب أمرها لا يستعجم على الواجدين حالها ، فيعرفون أنها النفس تبدلت صفاتها بصفات القلب .
ومن صفاته الطمأنينة عند متابعة الروح فتصير نفسا مطمئنة ، وعلامة طمأنينتها أنها آلات تريد كثيرا من مرادات القلب قبل الترقي إلى مقام الروح ، وإنما قيدنا بذلك لأنها لا تقدر أن تريد مرادات القلب بعد الترقي ، إذا صار القلب بعد الترقي يريد ما يريده مولاه متبرئا عن الحول أي التحول عن المعاصي والقوة على الطاعات والإرادة بشيء من الأشياء والاختيار لأمر نفسه أو غيره ، فإراداته فانية والنفس لا تكون كذلك ما دامت باقية .
وإنما قيدنا بالكثير لأن النفس تريد حقوقها من الشهوات الضرورية ، ولا يريد القلب ذلك بالذات ، بل بالرفق للنفس المنقادة له ، وإلا فالقلب قد فني عن إرادته بالكلية وبقي بالحق ، فقد ذاق طعم العبودية بالكلية ، وتخلصت عبوديته للحق ، حيث صار حرّا عن رقية إرادته واختياره ، وكان للنفس مشاركة معه في عبوديته كما ذكرنا انتهى .
قلت : ويمكن أن يحمل أيضا على ما ذكر هنا من جملة السر لفظ الخفي ولفظ الإخفاء المذكورين في كلام بعض الصوفية - نفع اللّه بهم - واللّه أعلم بحقائق الأمور ، ومن ثمّ قالوا : الخلاف لفظي اعتباري في قول الإمام الغزالي - نفع اللّه به - إن الصديقية تحت النبوة من غير واسطة ، وقول - الإمام محيي الدين بن العربي - نفع اللّه به : القربة فوق الصديقية وتحت النبوة ، وذلك أن القربة رتبة من مراتب
تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 239
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٣٩