ومن حيث الظاهر يتبين فرق بين أمره الخالص في إيجاده وفعله ، ومن حكم الحقيقة وعين الجمع إيجاد الكل له ؛ لأن فعله متعلق بصفاته ، وصفاته قائمة بذاته ، فالكل صدر منه بالحقيقة ، ولا غير في البين ، ألا ترى أنه أول ما أوجد من العدم إلى الوجود جوهر أخضر ، وذكرنا أنه العقل الذي قال عليه السّلام : « أول ما خلق اللّه العقل » « 1 » ، وذلك الفعل خاص لا يتعلق بالوسائط ، وذلك الفعل قائم به ، ومن طريق الحقيقة الفعل ، والفاعل كأنهما واحد من حيث عين الجمع ، لكن كان ذلك مخلوقا له كان معه .
قال عليه السّلام : « كان اللّه ولم يكن معه شيء » « 2 » خلق أصلا ، وكان كقدر فيه مجامع الحوائج ، وهو ما روي : « إن اللّه تعالى أراد أن يخلق السماوات والأرض ، خلق جوهرة خضراء عظمها أضعاف أطباق السماوات والأرض ، ثم نظر فيها بنظر هيبته فصارت ماء ، ثم نظر إلى الماء فغلى وارتفع منه زبد ، وبخار وأرعد من خشية اللّه تعالى ، ومن ثم يرعد إلى يوم القيامة ، وخلق تعالى من ذلك الدخان السماء ، فذلك قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
[ فصلت : 11 ] » .
ثم جاءت نوبة خلق آدم ، فخلق أصلا من كل أصل ، وصيره زبدة مخيض ممخاض الكون ، فصار أصل الفعل الخاص الذي وجد مباشرة ، تجلي الذات والصفات بعد أن وجد مباشرة الأمر في أول إيجاد الجوهر ، وكان خالصا من جميع البرية بكينونيته بتجلي الذات والصفات من ذلك صار غرض العالم .
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 1166 ) ، والبيهقي في « السنن الكبرى » ( 9 / 2 ) ، وابن حبان في « صحيحه » ( 14 / 11 ) بنحوه .