فصل في بيان ما جمع اللّه تعالى في الإنسان من طبائع جميع الأشياء وقواها
، وما أبدى فيه من الفطرة التي هي أصل الإنسان ، وبها يكون الإنسان كاملا في قبول أحكام العبودية ، ومعرفة الربوبية ، وبلوغه بها إلى كمال التسوية التي وصف اللّه تعالى بها آدم عليه السّلام بقوله :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ الحجر : 29 ] .
وافهم أن الإنسان لما كان ترابا وصلصالا وفخارا وحمأ وماء ونطفة ، جمعه اللّه بقوته الأزلية ، وجعل صورته معادن قوى الأشياء التي هي جنود اللّه الغيبية ، ولما صوره ونفخ فيه روحه ، أرسل إليه أجناد حكم الربوبية ؛ لأن بالروح حصل جميع القوى في الإنسان ، لأنه كان مخلوقا فيه محل استعداد وقبولها ، فأول ما يظهر في الإنسان بعد دخول الروح فيه الحياة الحيوانية ، والقوة النامية ، وقوة نزاع العناصر الأربعة ، وتوافق البشرية ثم قوة الحس ، ثم قوة الخيال والتخيل والتصور ، والتمييز الحيواني .
ثم بان فيه العقل الغريزي ، الذي كان في ذات قلبه تطورا كاختفاء النار في الحجر ، فيتبين بانقداح الحديد ، وبروزه فيه بعد ظهور أنوار الروح الملكوتي مثل ظهور الذرة بطلوع الشمس ، وهو الفصل الذي يميز بين المضار والمنافع .
ثم يظهر فيه العقل القدسي الملكوتي الذي هو وزير الروح ، يفرق بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والجميل والقبيح ، ويقبل الشرائع والأحكام ، وبه يثبت التكليف ، ويظهر من قبله التفكر والفكر ، وبه صار الإنسان إنسانا ؛ لأنه حسن به أفعاله وأعماله ، قال تعالى :
صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ
[ غافر : 64 ] .