تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تقسيم الخواطر ( ويليه العرف العاطر في معرفة الخواطر ) — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
الشمس والقمر ، وحركات الجوارح مثل حركات الأفلاك والأجرام . وقيل : إن القلب مثل العرش ، ومثل الكرسي مثل الصدر ، وهذا قول سهل بن عبد اللّه ، فعلى هذا تبين أن صورة الإنسان مع صغرها يجتمع فيها ما يجتمع في الكون من العرش إلى الثرى ظاهرا وباطنا ، قال تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ فصلت : 53 ] . وقال واحد ليس من اللّه بمستنكر أن يجمع العالم في واحد ، وقد بين اللّه تعالى خلق آدم عليه السّلام في التوراة ، وذكر فيها تشريح أعضاء الإنسان ، وحقائق حكمته في إبداع أركانها ، وتراكيبها ، وعناصرها . وذلك ما روى عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه ذكرا عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال : « يا رسول اللّه ، وجدت بخطّ هارون وإملاء موسى : قال اللّه تعالى : ظالم من هدم بنياني ، فقال موسى عليه السّلام : ما بنيانك يا رب ؟ فقال تعالى : أبوك آدم الذي خلقت صورته بيدي ، ونفخت فيه من روحي . . . » الحديث بطوله ، حتى ذكر جميع أجزائه ، وما صنع فيها من أسباب حكمته ، وكل جزء منه يشبهه بشيء من العالم . وقد ذكر الحكماء لذات الإنسان وقواه أمثالا صوروها بها ، فتمثل كل ما لا يدرك العقل متصور الحسن يقرب من الفهم ، فقالوا : ذات الإنسان كما كان عالما صغيرا جرى مجرى بلدا أحكم بناؤه ، وشيد بنيانه ، وحصن سور ، وخطت شوارعه ، وقسمت محاله ، وعمرت بالسكان دوره ، وسلكت سبله ، وأجريت أنهاره ، وفتحت أسواقه ، واستعملت صناعه ، وجعل فيه ملك مدبر ، وللملك وزير وصاحب بريد ، وأصحاب أخبار ، وخازن ، وترجمان ، وكاتب ، وفي البلد أخيار وأشرار .