قوله : « الوجد الهلاك » يعني أن الوجد التهاب الشوق واحتراق المحب بما يشاهد من أمارات حضور المحبوب كلمح بالبصر مع سرعة الاحتجاب بحجاب الفقد فكان هلاكا ، وإهلاكا للواجد بما توقد من زيادة النار ، والتهاب المحبة .
قال الشبلي : « إذا ظننت أنى فقدت فحينئذ وجدت وإذا حسبت أنى وجدت فهناك فقدت » يعني إن وجدي عن فقد المحبوب حزنا عليه لا على وجوده ، وهكذا يكون وجد من يكثر مشاهدته للمحبوب فيجد حزنا إذا فارقه .
قوله : « وإذا حسبت أنى وجدت فهناك فقدت » يعني إذا علمت وجدى وفهمته زال الوجد وفقدته فلو تواجدت بعد ذلك كان كذبا منى وإلى هذا أشار الباب العلم حيث قال : من علم نسيانه عادى بربه أي من علم وجده زال وجده ، فلو تواجد بعد ذلك كان كذبا عادى بربه في كذبه كما سبق شرحه ، ويحتمل أنه أراد بقوله : إذا ظننت أني فقدت حينئذ وجدت » أي إذا ظننت أنى فقدت ربى حينئذ وجدته لأنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم « وإذا حسبت أنى وجدته فهناك فقدت » لأن حسبان الوجدان إثبات ، والإثبات مكر كما قال الجنيد : « إن الإثبات مكر ، والعلم بالإثبات مكر » كما مر في باب صفة العلم .
قال ابن عطاء : « فمتى ما ذكرت بالوجد منك بعيد » يعني إذا كنت لا تذكر المحبوب إلا بالوجد كان هو منك بعيدا لأن الحبيب القريب من تذكره دائما ولا تنساه ، كما قال قائلهم :
اللّه يعلم أنى لست أذكره * وكيف أذكره إذ لست أنساه
وقال آخر :
عجبت لمن يقول ذكرت ربى * وهل أنسى فأذكر ما نسيت