تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
ومن ذلك أخبر أيضا حيث قال : « العجز عن درك الإدراك إدراك » يعني إنما الإدراك للمطلوب مع العجز عن الإدراك والعلم به مع الجهل والمعرفة مع الإنكار ولا خبر بذلك إلا لمن وصل إلى ذلك وقليل ما هم ، وإن شئت أشرت لك إلى أمارة من أمارات السبيل إلى هذا العالم وهو أن تشاهد أحدا كبيرا ، وأحدا كثيرا ، فردا جمعا غفيرا ، وحدا لا في مكان فردا في كل مكان ، كلا لا في زمان كائينا في كل يمن وأوان حاضرا عند كل شيء غائبا وعن كل شيء وذاته بنفسه غير غائب لا عازب عن شيء جميلا ، مهيبا ، ساخطا ، رحيما ، منتقما ، كريما سميعا كله بكله ، سميعا بصيرا كله بكله بصير ، كله ذات ، كله وجه ، كله يد ، كله واحد أحد فرد وتر ليس كمثله شيء ، فإذا شاهدته بهذه الصفات المتنافية في العقل ، وجاوزت عنها خلص أن بلغت من عرضة عوالم المعلوم المجهول ، وفهمت تفسير ليس كمثله شيء ولم أجد في العقل ولا في الشرع عبارة منبئة عن هذا المقام صريحا ، ولا كناية الإشارة قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] . وسماه علىّ رضي اللّه عنه بقوله : « لا هو إلا هو » سماه هو مع نفي الهوية عن كل شيء سواه إذ لم يجد عبارة أبين من ذلك وإني أقول : العجب الذي لا عجب إلا هو وكل ذلك إشارة إلى أنه شيء موجود ثابت ليس مثله شيء قط . أما قوله : « والمشاهدة مشاهدة الجحود » يعني مشاهدة مع الجحود والمشاهدة أبلغ من المعرفة على ما عرف من قبل تعني أن المشاهدة في هذا العالم أيضا هو مع الجحود لضرورة أنه يشاهد بالحقيقة العقل ، والحواس ثمرة عالم الأجسام فتشاهده وينكره نفسه ، وعقل ، وقلبه ، وسره ، وروحه ، فهذا إدراك وعجز عن الإدراك ، فافهم إن شاء اللّه وحده . ثم يرتقي من هنا إلى عالم المعاينة فيعاينه عيانا والمعاينة أبلغ من المشاهدة
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 223 | محمد بن عبد الملك الديلمي / محمد مصطفى القادرى السيلانى