مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
[ المؤمنون : 54 : 55 : 56 ] يعني لا يشعرون أنا نستدرجهم في الخيرات التي هم فيها فرحون إلى نار جهنم مكافأة على كفرهم وظلمهم ويمكن أن يقال معنى قوله : « الاستدراج هي النعمة الظاهرة » أي : كرامات عيانية ظاهرة يطلع عليها غير من وقعت الكرامة له وإنما سماها استدراجا ؛ لأنه يستدرجه بها إلى الدنيا ثم يستدرج بنعيم الدنيا إلى النار إلا أن يكون السالك عاقلا يفر من الدنيا جدّا ، وجهدا ، أو كان أبلها معتوها ، فالدنيا دينارها ، وترابها عنده سواء .
قوله : « الغدر ستر ، النظر المعاينة » يقال ليلة غدره ومغدرة أي مظلمة تستر الأشياء التي تعاين في النهار ، وذلك الغدر والستر لكبار العرفاء ، وحجاب العظمة ، والكبرياء قبل الفناء ، وكذا الفناء عند الفناء ستر وغدر غير أن الحجاب الفنائي يكون بمعنى ترك الوفاء ، والغدرة ، بمعنى ترك الوفاء في اللغة ظاهر ، والمريد يفنى طمعا في لقاء المعاينة ، فإذا فني لا معاينة ولا مكاشفة ولا شيء فإنه هو ولا ثاني له .
قال السّري السقطي : « المكر قول بلا فعل » وهذا يحتمل معاني شتى :
أحدهما يحتمل أنه أراد به أقوال العلماء الذين يعلمون الناس ولا يعملون ، وهذا مكر حيث غلط به العالم ، قال اللّه تعالى :
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ البقرة : 44 ] .
الثاني : يحتمل أنه أراد به المدعي المتنمس كاذبا بما لا يعمل ، وهذا أيضا غلط عظيم ، ومكر ظاهر ، قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 : 3 ] .
والثالث : يحتمل أنه أراد به الهواجس من النفس والإلقاء من الشيطان ،