مع بين هذا وذاك ، وجاز الفضيلتين وهو مقصود الماكر لا غير ، وهو اللّه الحكيم تعالى .
قال أبو عليّ الروذباري - رحمه اللّه : « المكر أن يكل العبد إلى نفسه » ، وهذا في كونه آفة عظيمة ، حيث ما كان العياذ باللّه ولكن الصحيح أنه ليس من باب المكر ، وإنما هو خذلان والمكر امتحان وتفسيره ما عرفت من قبل في كلام النوري .
وقال وريم : « المكر دعوة الشيء غير أهله » يعني المكر دعاء الماكر الممكور إلى شيء وليس بأهل لذلك الشيء نظيره ، دعوة اللّه تعالى عموم الناس إلى دار السلام من غير فصل بين مؤمن ، ومنافق ، وكافر ، وأهل دار السلام المؤمن غير الكافر ، وكان هذا مكرا في حق الكفرة على قول رويم .
قال الشبلي : « المكر النعمة الباطنة ، والاستدراج النعمة الظاهرة ، والغدر ستر ، والنظر معاينة » لعين القلب ، والسر ، والخفي ، وأشباهها .
قوله : « والاستدراج النعمة الظاهرة » يعني صحة البدن ، الجوارح ، وأحوال الدنيا ، وأشباهها وإنما سماها استدراجا لأنه يستدرج أبناء الدنيا فيها إلى الشر في الآخرة ، كما قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
[ الأعراف : 182 ] ثم بين ذلك الاستدراج بآية أخرى قال تعالى :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً
[ المدثر : 11 : 12 : 13 : 14 ] إلى قوله :
سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً
[ المدثر :
17 ] إلى قوله :
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ
[ المدثر : 26 ] إلى قوله تعالى :
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
[ المدثر : 30 ] .
وقال تعالى :
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ