قلنا : أما قطع العبد فغير مقصود ، إذ لو أراد قطعه لما رغبه ، فيه ، ولا أمره بالتوجه إليه ، وقد قال اللّه تعالى :
وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
[ الشرح : 8 ] .
وقال اللّه تعالى :
يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
[ الشورى :
13 ] وقال لموسى عليه السّلام :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[ طه : 41 ] وإنما المقصود وجهان مستحسنان أحدهما : الإنعام بذلك النوع من النعمة .
والثاني : امتحان له وللملائكة ؛ فإنه إذا كان صادقا في إرادته لا يلتفت إلى هذه النعمة وإن كان من اللّه تعالى مباحا له فيظهر بإعراضه عن ذلك النعمة وعدم الالتفات إليها إنه صادق بالغ في حبه لربه - جل وعلا - ورغبة إلى حضرته تعالى فيظهر ذلك لهذا المريد والملائكة جميعا فيتقوى به المريد ويعتمد على نفسه ، ويعلم أنه وافقه وانقاد له ، وإن كان بخلافه يعلم مقدار نفسه في الدناءة والضعف فيعتمد على فضل اللّه تعالى ويفرغ إلى التضرع ، والتذلل ، والخضوع له تعالى ، وأما ملائكة اللّه تعالى يثنون عليه ، ويمجدونه ، ويحبونه ، فلهذه الحكمة حسن ذلك المكر إذا عرفت ذلك ظهر ما أراد الجنيد قدس اللّه سره بكلامه الطويل .
فنقول : أراد به أن المريد والسالك يرى في كل منازله ، ومقاماته في طريقه إلى اللّه تعالى أمور وأشياء طيبة ، فإذا استطاب شيئا في مسيره والتفت إليها انقطع بها عمّا فوقها ، وكان ذلك الذي استطابه نعمة اللّه تعالى له وفيها مكر وغد .
وقال أيضا : « في طريق اللّه ألف مانع للمريد السالك يحجبه عن اللّه تعالى ولا بد من البصير عليهم » يعني لا بد للمريدين من الشيخ البصير العالم الكيس الذي رأى المشايخ كثيرا ، ويعلم من كل واحد منهم ما لا بد للمتصوفين لينظر إلى أحوالهم وواقعاتهم ، ويميز بين الصحيح ، والسقيم ، ويرشدهم إلى الصلاح ويدفعهم عن الفساد ، ويعلمهم الآفات والمهالك وما يحفظهم بها عنها .