تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ونفسه وصفاتها وأخرته كلها مكرا له في طريق اللّه تعالى مع أن جميع ذلك نعمة عظيمة من اللّه تعالى . ثم السالك الذي ينبذ دنياه ونفسه وآخرته ويتوجه إلى اللّه تعالى فعند ذلك له هذه الآفات التي قالها الجنيد قدس اللّه سره ، وعند ذلك يقوم الشيطان وهو مطلق العنان ، ويعرض على هذا السالك كل شيء من أشياء الدنيا في كل ساعة ولحظة ويستمد بنفسه ، ويهيج صفات نفسه نحو الحرص ، والحقد ، والحسد ، والشهوة ، وما أشبه ذلك فإذا عجز عن جميعها تمكن على صرفه إلى الآخرة فتارة يرغبه في الجنة ، وأخرى يخوفه بالنار ، ثم إذا عجز الشيطان عن جميع ذلك ويسخر له نفسه وهواه فبعد ذلك يمتحنه بالملائكة ويبتليه اللّه تعالى بأنواع الكرامات ، والفراسات ، والإلهامات ، ثم بأنواع المكاشفات فلو وقف عند شيء من ذلك فقد انقطع ولو لم يقف عند شيء من ذلك وارتقى إلى آخر عمره فهو المبارز الذي لا نعلم له نظيرا في زماننا هذا ، فافهم إن شاء اللّه وحده . قوله : « في طريق اللّه ألف قصر » وإنما أراد بها المنازل ، والمقامات ، والدرجات التي يرتقى إليها المريد ، وإنما قال : « ألف قصر » مبالغة وهو أكثر من ألف ألف ؛ فإن قال قائل : هب أن المكر والغدر نعمة حسنة والانقطاع يحصل بتقصير العبد لكن ما المقصود من حملك الغدر قطع العبد من طريقه أو شيء آخر ؟ إن قلت : قطع العبد ! نقول : أية حاجة إلى الغدر بالعبد ليقطعه عن طريقه المستقيم ، وهذا لا يليق بحكمة الحكيم ، وإن قلتم المقصود شيء آخر يليق بحكمة اللّه تعالى بينوا ذلك .