قال بعضهم : البلوى من اللّه تعالى على نوعين : بلوى رحمة ، وبلوى عقوبة .
فبلوى الرحمة : تبعث صاحبه على إظهار فقره إلى اللّه تعالى وترك التدبير .
وبلوى العقوبة : تبعث صاحبه على التدبير والاختيار ، وإنما أراد به الابتلاء هو نعمة يشتغل بها عن نعمة أخرى أعلى منها فيفوت الأعلى حيث قال : « يعطى شيئا ويمنعه من الطريق فيحجبه من اللّه تعالى » والآية ما نزلت في المكر الذي هو عطاء وابتلاء ، ومن الجائز أن الجنيد ذكر هذا الكلام لا تفسيرا لهذه الآية ، وإنما زاد الآية كاتب أو ناسخ ساهيا ، أو فضوليا .
وأما تفسير المكر بالابتلاء والامتحان على اصطلاح الصوفية صحيح ؛ لأنهم يريدون بهذا المكر ما يمنع السالك عن الترقي سواء كان بلية أو عطية ؛ فإنه إذا كان السالك يلتفت بسببه عن مقصوده إلى خلفه كان مكرا في حقه حيث تقاعد بسببه عما هو خير له والذي أشار إليه الجنيد - رحمه اللّه - أحد نوعي المكر وهو إعطاء عطية دنية يشغله عمّا هو أعلى ، وربما يكون ذلك المكر بألّا يعطى شيء بل بسلب منه بعض ما وهبه ابتلاء ليريه أو يرى ملائكته أنه يصبر على فراقه ولا يجزع قال اللّه تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
[ البقرة : 155 ] وربما يكون ذلك المكر ، والغدر بالأمر ، والنهى كما قال تعالى للملائكة :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ
[ البقرة : 34 ] وأمر إبراهيم عليه السّلام بأوامر منها ذبح الولد ، وقطع القلفة وأشباه ذلك فأتمهن جميعا ، قال اللّه تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
[ البقرة : 124 ] قال :
قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
[ البقرة :
124 ] .