وكيف ما كان فمكر اللّه تعالى بطريق الابتلاء لا يكون إلّا نعمة وإحسان وتقاعد العبد مما هو أعلى لا يكون من اللّه تعالى ، بل يكون بتقصير العبد ، ودناءة همته ، حيث اشتغل بأدنى النعمتين عن الأعلى .
فإن قال قائل : إن استقام بهذا في المكر ، والابتلاء الذي هو أعطى نعمة لاستقام في الابتلاء الذي هو سلب نعمه ، أو هو أمر ونهى ، أو هو مغالطة ، وخداع ليسقطه عن مقامه الأعلى .
قلنا : إن المغالطة والخداع لغرض أن يلقيه من مقامه الأعلى ، هذا مما لا يصنعه الحكيم تعالى ، والكلام فيه ما عرف أن اللّه منزه عن الإغواء والتلبيس على عباده لغرض أن يضلهم عن الحق إلى الباطل ، وأما الأمر والنهى فإنه لا يكون من اللّه تعالى إلّا إحسانا ، وإنعاما لما عرف أن اللّه تعالى لا يكلف عبده بفعل ولا يأمر بصنع ولا ينهاه عن شأن إلّا لمصلحة وفائدة عائدة إلى العبد المكلف على ما بينا في كتاب « التحسين والتقبح » .
فأما المكر الذي يسلب النعمة نحو سلب المال ، والولد ، وصحة البدن ، والجوارح ، إن قلنا : إنه لا يكون إلّا نفعا وفائدة عائدة على العبد قلنا : وجه ظاهر لكنا نقول : جاز ألّا يكون مصلحة ولا مفسدة ؛ لأن نعم العباد ودائع اللّه تعالى عندهم لينتفعوا بها رزقا مباحا لهم ويسترد ما شاء متى شاء ممن شاء ، وكان يحسن منه تعالى أن يسترد ممن شاء ويصرف إلى من شاء فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المكر ابتلاء وامتحان الدنيا ذلك المكر منعا كان ، أو عطاء ، أو أمرا ، أو نهيا ، أو ما أشبه ذلك ابتلى اللّه تعالى عباده بها وعموم الناس منقطعون عن التكاليف مرهنون بالدنيا ، ولو تخلص أحد من الدنيا على سبيل الندرة تحير في نفسه وصفاتها ، ولو تخلص عن النفس توجه إلى الآخرة هذا من النوادر في الدنيا ، وكان كل الدنيا
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 161
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص١٦١