عنها يعاقب بحرمان ذلك ويحتجب عنه دائما .
قوله : « في السر » صحيح لأن الربوبية إنما يكشف في السر والخفي ، وما فوقها ، ولا يكشف للقلب ، والعقل ما دونهما إلا إذا التحق النفس بسائر الروحانيات لطافة وتشعشعا ، ويتجاوز عنها فيكشف للنفس ذاته ، وعينه ما لا يكشف لغيره على ما بين في كتاب « مرآة الأرواح » وغيرها إن شاء اللّه وحده .
وقال الجنيد - رحمه اللّه تعالى : « إذا عاين القدرة يتنفس صاحبه لكره ذلك ، وإذا عاين العظمة نهى عن النفس ، وإذا عاين الهيبة إذا تنفس فقد كفر » يعني بالقدرة الكرامات الخارقة للعادات نحو طي الأرض ، والنفاذ في الجدار ، والمشي على الماء ، والمسير في الهواء يكره أن يخبر الناس بذلك ، ويحتمل أن يراد إذا عاين عالم القدرة وهي وراء عالم الخفي وفوقه والأول أقرب إلى مذهب الجنيد في الكرامات .
قوله : « إذا عاين العظمة نهى عن التنفس » يعني إذا عاين بعين السر والخفي عظمة اللّه تعالى يحرم أن يقول للناس أنه رأى كذا ؛ لأنه يمكن أن يخبر عنها إلا بعبارة عن حقيقتها ويحتمل أن يقول : « إذا عاين عظمة اللّه تعالى كان منهيا من التنفس حالة المعاينة » ويعنى بالتنفس الالتفات إلى غير العظمة والاشتغال بغيرها لأن ذلك من سوء الأدب .
قوله : « إذا عاين الهيبة إذا تنفس فقد كفر » اعلم أن الهيبة لغلبة العظمة كما أن الأنس لغلبة الكبرياء واللطف والجمال « فإذا عاين الهيبة » يعني عاين سر غلبة العظمة يجب عليه أن يتخمد ويندهش اختيار إن لم يدهش اضطرارا ، وأغلب الناس إذا عاينوا الهيبة يدهش عليهم وكثير منهم من يموت كما دهش موسى عليه السّلام وخرّ صعقا ، ومات سبعون نفرا من بني إسرائيل ، فأما لو كان الرائي قويا لا
شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 129
مساهمون: محمد بن عبد الملك الديلمي
ص١٢٩