تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
قلنا : نعم قد يغفل العبد ولا يغفل ، أما الخفي لا يغفل ؛ لأنه قريب من الحق تعالى لا حجاب عليه إلّا الصفات وأنه متوجه إليه دائما ولا شأن له إلا ذلك بخلاف السر الذي هو دون الخفي ، فإنه همة ولا بد للعقل ، والقلب ، والنفس من بدرقة الهمة في شؤون الدنيا والآخرة ، فلهذا كان للهمة وجهان : وجه إلى القلب ، والنفس ، والدنيا ، والآخرة ووجه إلى ما هو أعلى كما بينا في كتاب « مرآة الأرواح » . وقولنا : إن العبد قد يغفل لأن العبد اسم للنفس ، والقلب ثم العقل واحد وجهي السر ، مما لا بد لهما من التفات إلى الدنيا ، والآخرة كما ذكرنا ولأن التعظيم والاحترام لما بقي دائما في باطن الولي ما دام الخفي لها لا يحتاج العبد إلى تجديد في كل ساعة ولحظة فجاز أن يغفل عنها لضرورة ثم يرجع إليها إذا فرغ قوله تعالى
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
[ الشرح : 7 : 8 ] . وهذا كالإيمان وكان نتيجة الخفي والمفتح قائم دائما منتجا جاز أن يغفل النفس المؤمنة عنها بعوارض النوم ، والإغماء ، والسهو ، والغفلة ، والاشتغال بأمور آخر ، كذا دوام الاحترام والتعظيم ألّا ترى أن أكثر المتصوفين من أصحاب المكاشفات لا يدرون ماهية الخفي ، ولا ما في الخفي من وفاء الحرمة ، ولا ما لها من الوفاء ونقص الوفاء مع ما يوجد منهم الوفاء بالحرمة في الخفي دائما . وقال ابن عطاء : « إذا كشفت الربوبية في السر وصاحبه تنفس تنفسا فيحرم عنه لا تجد مرة أخرى ، أما الربوبية خاصية الرب كالألوهية خاصية اللّه تعالى والعبودية خاصية العبد ، أعنى وصف خاص له تعالى ، والربوبية شائعة في الألوهية ، والألوهية عامة في الربوبية ، فإذا كشف ذلك الوصف وصاحبه تنفس يحرم عليه » يعني عند مشاهدة الربوبية يحرم عليه أن يلتفت إلى غيره ، ولو التفت