تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
أما « من اللّه » : دعاء ، وجذب ، وتجلي ، وإلى ما أشبه ذلك مما قدمنا بيانها . وأما « إلى اللّه » : من العبد رغبة ، ورهبة ، وشوق ، ومحبة اللّه تعالى عند الوصول أنسا ، وتسليا بدعاء . وأما قوله : « مع اللّه » يعني عند المشاهدة يشاهده ويعلم أنه هو اللّه . وقال رويم بن محمد : « للعبد أوقات التنفس فيه حرام » وتفسيره ، ما فسّر النوري عقيب ذلك وقال : « عند المشاهدة التنفس حرام ، وعند المكاشفة حرام ، وعند المعاينة حلال ، وعند المجاذبة حلال ، وعند السابقة حلال ، وعند النظرات كلها حلال ، وعند الإشارة ليس بحلال » ، يعني بالتنفس هذا تنفسا بالكلام ، قوله : وعند المكاشفة ، والمشاهدة حرام ، لأن المكاشفة ، والمشاهدة إنما تكون من وراء الحجاب ، فلا يليق بالعبد أن يكالم السيد العظيم من وراء الحجاب ولهذا ذم اللّه تعالى قوما كانوا ينادون النبي صلى اللّه عليه وسلم على بابه : يا محمد ، اخرج لنا قال اللّه تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ الحجرات : 4 : 5 ] . وقوله : « وعند المعاينة حلال » فهذا صحيح لأنه لا حجاب عند المعاينة فيتكلم ما يشاء بإذن اللّه تعالى ، فهو دليل على قولنا : إن المعاينة أعلى وأبلغ من المشاهدة ، فمن ثمّ كانت المعاينة داخل الحجاب والباقي خارج الحجاب على قول النوري . قوله : « عند المجاذبة حلال » أي : عند المجاذبة ، وإن كان وراء الحجاب إذا كان اللّه تعالى يناجيه لا بد له من الجواب والسؤال لا الآن سوء الأدب ، لأنه بأمره وإذنه واللّه تعالى يناديه من وراء الحجاب بدلالة قول اللّه تعالى
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
[ الشورى : 51 ] .