صلى اللّه عليه وسلم : « لا صغيرة مع إصرار ، ولا كبيرة مع استغفار » « 1 » فكذلك الفاتر عن سيره في الطريقة ، والتفت إلى الغير في الحقيقة إن لم يرجع سريعا ، فهو كمسوف التوبة في الشريعة ، وهذا قول ضعيف عندهم لأنهم يسمون الملتفت في الحقيقة والفاتر في الطريقة هاربا ولو بلحظة ، فأما من سوّف الرجوع إلى شأنه لا يسمونه هاربا وفاترا ، بل يسمونه فاجرا ، وكافرا .
قال : « ويقال الهرب العلم بالمعصية » يعني إن وقع ذلك منه ناسيا لا يعد هربا ، وإنما أراد به الهرب في الشريعة لا في الطريقة ؛ لأن المعصية في الشريعة هي الصغيرة ، أو الكبيرة فلو وقع منه ناسيا كان معفو لقوله صلى اللّه عليه وسلم « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 2 » ، وأما المعصية في الطريقة هي الفتور في التوقف عن السير لحظة ، وذلك مأخوذ على المريدين ، وإن وقع ناسيا ، وكذلك الالتباس في عالم الحقيقة إلى غير الحقيقة معصية مأخوذة على البالغ ، وإن كان ناسيا ولو كان ذاكرا يسمى كاهلا مؤيدا فضلا عن كونه هاربا ، اللهم إلّا أن يكون كبيرا كاملا قادرا على جمع كونا أن ينظر إلى غير اللّه تعالى فيقول : « السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين » « 3 » فيقول اللّه تعالى في حقه
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
[ النجم : 17 ] أي : لم يلتفت إلى غير اللّه تعالى ، فعلم بذلك أن لاحظ لهذه الكلمة في الحقيقية والطريقة وإنما هي في الشريعة أن معصية الخاطئ والناسي ، والساهي معقولة ، اللهم إلّا أن يقول قائل منهم : أن للنسيان في الطريقة والحقيقة عذر ، ولا أعلم
هامش
( 1 ) رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في المطالب العالية للحافظ ابن حجر ( 9 / 316 ) ، وابن أبي الدنيا في التوبة ( 166 ) ، وذكره ابن رجب في « جامع العلوم والحكم » ( ص 179 ) وقال : وروي مرفوعا من وجوه كمال .
( 2 ) رواه ابن ماجة ( 1 / 659 ) .
( 3 ) رواه البخاري ( 1 / 287 ) ، ومسلم ( 1 / 301 ) .