فصل ( 13 ) : في موت أهل الإرادة وحياتهم
وقد ورد في الخبر ،
« إنّ أحبّاء الرحمان لا يموتون ، ولكن « 1 » ينقلون من دار إلى دار »
« 2 » . لأنّهم أماتوا من نفوسهم الشهوات ، فبدّل اللّه مماتهم بحياة . وسمّاهم رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم :
« شهداء الجهاد « 3 » الأكبر »
. لأنّهم قتلوا النفس والهوى ، بسيوف المجاهدة والتّقوى ، فكانوا أحرى بأن يكونوا باللّه ، عند اللّه ، أحياء طريقة اللّه ، يرزقون باللّه بدوام النّظر إليه ، ودوام الوقوف معه ، ودوام التصرّف به ، ودوام العبودة له ، ودوام الانقطاع إليه ، ودوام الاتّكال عليه . وبذلك حصلوا « 4 » من أهل إرادة اللّه . فأماتوا الإرادات والاختيارات ، ولزموا الزّوايا ، كأنّهم في قبور أهل المنايا ، وحسموا موادّ المحسوسات من العادات ، وفطموا النفوس من مألوفاتها ومستحسناتها ، وأشغلوا بتطهير الباطن وتنوير القلب ، بدوام المراقبة في الخلوات . وطلبوا صحبة قوم أفنت الحقيقة حظوظهم ، وأبقت حقوقهم . فدخلوا تحت أمرهم ونهيهم . فتهذّبوا بإراداتهم ، عن ترك إرادتهم ، وبتصرّفاتهم ، عن ترك تصرّفهم . واستعانوا بوجود مكارم أخلاقهم ، وجميل أفعالهم ، وعلوّ هممهم ، وطهارة طويّتهم ، وصفاء تبصّرهم ، وتأثير هممهم « 5 » وكلامهم .
وتابعوا وظائف « 6 » معاملاتهم ، ليقعوا على منهاج إخلاصهم . وكما انقادوا لهم بالحركات والسّكنات ، انقادوا لهم بالقلوب والخطرات ، ليستوي
هامش
( 1 ) ولكن ، في الأصل : وليكن .
( 2 ) قارن بالحديث :
« وأنّكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها »
، المعجم المهرس 6 :
543 ، تحت : نقل .
( 3 ) الجهاد ، في الأصل : جهاد .
( 4 ) حصلوا ، هنا بمعنى : أصبحوا .
( 5 ) وطهارة . . . وتأثير هممهم : أضيفت تصحيحا في الهامش .
( 6 ) وظائف ، في الأصل : الوظائف .