حتّى بدّلوا المذامّ ( 15 ب ) بالمحامد ، والغفلة باليقظة ، والكثيف باللطيف .
فصاروا بالصّور آدميّين ، وبالأفعال روحانيّين ، وبالتّجريد والتّفريد والاستغناء ربّانيّين « 1 » . فقال اللّه تعالى في حقّهم :
وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
( القرآن الكريم 17 / 70 ) . فكانوا أعلى من الملائكة ، لأنّ الملائكة خلقوا على ما جبلوا عليه ، فلم يزدادوا ، إذ لم يكن لهنّ سير ولا اجتهاد ، ولم ينتقضوا ، إذ لم يكن لهنّ آفات ولا مذمومات ، وإنّما جبلوا على الطاعات والعبادات ، ولم يبلوا بالشهوات ، ولم يمتحنوا بالآفات ، ولهذا قال اللّه تعالى في شأن عبادتهنّ وعبادة ما سوى الآدميّ :
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
( القرآن الكريم 30 / 26 ) ،
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
( القرآن الكريم 21 / 20 ) .
وقد سمّى رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، القلب مفردا ، لانفراده عن صفات قلوب « 2 » قطّعهم وعوّقهم « 3 » عن هذه المرتبة كثافة غلظ الأجسام ، فصاروا « 4 » في ظلمات الوجود الترابيّ معوّقين « 5 » .
ولأجل حقيقة الانفراد ، خلق القلب ، لأجل الربّ ، ممّا سواه . فكم من منفرد بظاهره ، وهو بين غوغاء رحمة خواطره ووسواسه وإرادات نفسه ؟
ولا يصير القلب منفردا إلّا إذا قطع الذكر علائقه . ولا يصير الذكر قاطعا للعلائق ، ما لم يكن قلبيّا . ولا يصير الذكر قلبيّا ، إلّا بعد دخول نطق اللسان تحت تصرّف الذكر . فإذا صار اللسان بحكمه ، انتقل بحكمه منه إلى القلب .
فإذا انتقل إلى القلب ، صار ذكر اللسان من ذكر القلب . فإن لم يذكر القلب ،
هامش
( 1 ) قارن بصوم القلب ص 9 / 9 - 13 ؛ 15 - 18 .
( 2 ) قلوب ، في الأصل : قلوبهم ، ثمّ شطب « بهم » وكتب فوقها « ب » .
( 3 ) قطعهم وعوّقهم ، كذا ، والأصحّ : قطّعتها وعوّقتها .
( 4 ) فصاروا ، كذا ، والأصحّ : فصارت .
( 5 ) معوّقين ، كذا ، والأصحّ معوّقة .