وطهارتها ونزاهتها ، فأبدلوا عن صفاتهم الأحوال ، مثل : التّيه والحيرة والوله والدهشة ، حتّى ذاقوا لذّة حلاوة الخروج من الوجود ، وبذلك صلحوا محلّا لحقائق الذكر والشهود ، فظهر من التّيه دوام الأنس ، ومن الحيرة دوام المجالسة ، ومن الوله دوام الاسترسال ، مع نعوت الجلال والجمال ، وسائر أنواع النوال والإفضال والأحوال ، ومن الدهشة دوام الحضور . وقد قال اللّه عزّ وجلّ :
اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
( القرآن الكريم 33 / 41 ) ، والكثير يحتاج إلى الدوام حتّى يستغرق جميع الأوقات في الذكر ، فلا يفتر من الذكر ساعة ، وإن فتر ، فبلسانه لا بقلبه .
وليس هذا من شأن ذكر اللسان ، لأنّه يفتر عن الذكر بالانشغال بقضاء أوطار الجسد ، مثل : النوم والأكل والكلام - وسائر الجسد مضطرّ إليه من العادات - فلا يصحّ منه الذكر الدائم .
وإنّما الذكر الدائم من شأن القلب ، إذ ليس له من الموانع كما للّسان .
فمن هذا الوجه كان الذكر الدائم على القلب واجبا في جميع الأحيان والزمان ، وعلى اللسان في بعض الأحيان . فثبت بالدليل العقليّ والنّقليّ أنّ ( 14 ب ) الذكر الدائم صفة ذكر القلب . فإنّه إذا دام في الذكر اتّصف بصفاء الذكر . وإذا اتّصف بصفاء الذكر صار القلب غيبا ، فوقعت الكلمة في الغيب .
وإذا وقعت الكلمة في الغيب فالقلب في الغيب غائب . وهذا من جملة العلم الذي يذاق منه ، ولا يقال عنه ، حتّى يصير علم المريد غيبا لا تعليميّا . إذ ليس للعلم والعقل إليه طريق ، إلّا بالذّوق فقط « 1 » . فحصل الذكر غيبيّا ، والغيب قلبيّا . فصار القلب ذاكرا في كلّ حال ، إذ لا مانع للقلب من الذكر إلّا غلبة النفس . فإذا تخلّص منها ، عاد القلب إلى عادته . إذ غذاؤه « 2 » الذّكر ، وحياته بالذكر . فلا صبر له عن الذكر ، ولا ملال له من الذكر . لأنّ
هامش
( 1 ) قارن بماير ، فوائح ، المقدّمة الألمانيّة ص 101 .
( 2 ) غذاؤه ، في الأصل : غذاه .