فكذا « 1 » القلب ، إذا طهّره الذكر وأخرجه من سجن عبادات صفات النفس إلى صفاته الروحانيّة ، من صفات عالم الأمر ، التي طبع عليها : من الطهارة واللطافة والرقّة والصفاء . فإذا استغرق بوجود صفاته في الذكر ، صار القلب والملائكة في هذه القاعدة سواء . فانظر إلى صفة عبد وقلبه بمثابة الملائكة ، كما كان في الأزل ، قبل مجاورة الأجسام ، ما شأنه عند اللّه ، وما شأن علوّ حاله في الأحوال . وهيهات ، ما لم يعد قلب العبد بصفته في الأزل ، أن يصل إلى شيء من الأحوال .
قال له قائل : ما علامة عبد اتّصف قلبه بصفة الملائكة ؟
قال : إذا كان قلب العبد مالكا لتصرّف مملكة ظاهره وباطنه ، فصورته صورة الآدميّين وفعله وحركاته وسكناته من فعل الملائكة المقرّبين .
قال له : قائل : كيف يكون مالكا لمصالح « 2 » باطنه وظاهره ؟
قال : أن يكون عقله آمرا على شهوته ، وعلمه آمرا على جهله ، وشرعه آمرا على طبعه ، وقلبه آمرا على نفسه ، وهداية اللّه وعناية اللّه آمرا على قلبه وكلّيّته ، فحينئذ يشارك الملائكة في أفعالهم التي جبلوا عليها ، وفي قربتهم « 3 » ومنزلتهم من اللّه ، التي أقيموا عليها . فإذا حصل للعبد هذا ، فهو آدميّ الصورة ، ملكيّ الصّفة ، ربّانيّ الاستغناء « 4 » .
وبهذا صار الإنسان أعلى شأنا من الملائكة . فإنّ اللّه خلق الآدميّين وركّب فيهم الشهوات والمذمومات ، ثمّ قال لهم :
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
( القرآن الكريم 3 / 79 ) « 5 » . واجتهدوا وكابدوا وقتلوا الأنفس بسيوف المجاهدات ،
هامش
( 1 ) فكذا ، في الأصل : فكيدا .
( 2 ) لمصالح ، في الأصل : بمصالح .
( 3 ) كذا ، انظر ماير ، فوائح ، المقدّمة الألمانيّة 284 .
( 4 ) قارن بصوم القلب ص 9 / 11 .
( 5 ) قارن بصوم القلب ص 9 / 11 .