صفوها وصفائها أنوارها . فعندها شاهدوا الكلمة عارية عن الحروف ، في لباس إشراق أنوار الوصف من الموصوف . فاستغرق الذاكر في الذكر حتّى فني ، وبقي الذكر بصفة المذكور ، حين أبين نعت العدم عن نعت الحدث ، فقام من الذكر مقام الذاكر . فاستلب القلب من النّير ، وذهل عن كلّ تغيير ، وغيّر ، فصارت الكلمة قلبا والقلب كلمة .
فكلّ ذرّة منه ذاكر : امتزج ( ت ) الحقيقة بلحمه ودمه وشعره وبشرته « 1 » . وصار الذكر للذاكر إلفا ، والذاكر منه إلفا إلفا . فبهذا تفرّغت « 2 » منهم للّه الهمم ، وصفت لهم مع اللّه المقاصد والأحوال بنعت القدم ، فأخلصوا اللّه النيّات ، ووجدوا من العزم الصحيح مع اللّه بالثبات ، فاختصّوا بمقام التربية ، وصلحوا للقدوة والدعوة في إبقاء الحقوق وإفناء الحظوظ ، وجذب الخلق إلى الحقّ ببذل المحمود ، في تحصيل المقصود ، من الواحد المعبود .
فعند ذلك سهل على ( 14 آ ) المريدين الطالبين بصحبتهم وخدمتهم ترك المألوفات ، فخرجوا من كلّ ما سوى اللّه بالاختيار ، من قبل أن تخرجهم المنيّة بالاضطرار . فلا جرم أن ظفروا بالنّعم ، في أوّل قدم ، وأوتوا بالمزيد ، عند بدء التجريد .
فلمّا وصلوا إلى النهاية ، ووجدوا من حالهم الغاية ، حمل عنهم أثقال كلفة التكاليف ، فعبدوا اللّه على وجه الترويح والتخفيف ، ورؤية الفضل والتشريف ، لأنّ كلمة الذكر - بظهور حقيقتها وفائدتها وتصرّفها - أفنتهم « 3 » عن طباعهم وأوصافهم وعاداتهم ورسومهم ، وأبقتهم « 4 » بنعت صفائها
هامش
( 1 ) وبشرته ، في الأصل : وبشره .
( 2 ) تفرّغت ، في الأصل : تفرت .
( 3 ) أفنتهم ، في الأصل : أفناهم .
( 4 ) وأبقتهم ، في الأصل : أبقاهم .