وأهل التلوين في النقصان إلى الزيادة ، وكلّ ما في الدنيا مذامّ في حقّهم . وإنّما العيش عيش الآخرة . وهذا عند أوّل الكشف وأوّل المعرفة للدنيا والآخرة . وقد ورد في الخبر مقتضى هذا ، وهو
قوله ، عليه السلام :
« تفرّغوا من هموم الدنيا ما استطعتم »
. وقال بعضهم : « صم عمّا سوى اللّه ، واجعل فطرك على لقاء اللّه » . ( 18 آ ) فهو سرّ قوله ، عليه الصلاة والسلام :
« لا راحة للمؤمن دون لقاء ربّه »
. وهذا يكون عند الكشف الثاني والمعرفة الثانية للّه وما سوى اللّه . وإنّ كلّ ما هو دونه وسواه فهو قاطع وحجاب ومذموم ، بل في طريق الحقيقة شرك . وقد قال اللّه تعالى :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
( القرآن الكريم 51 / 50 ) ، وهو فرار القلوب إليه ممّا سواه .
ومعنى فرار القلب إليه ، إنّما هو من حيث الهمم ، حتّى تتّحد . وبتوحّد فيكون همّا واحدا . كما ورد في الخبر : « طوبى لمن كان همّه همّا واحدا » « 1 » .
فصل ( 16 : أنواع الهموم )
والهموم ثلاثة أنواع ، كما أنّ الطلّاب ثلاثة أصناف : همّ المعاد ، وهمّ المعاش ، وهمّ للّه وفي اللّه : وطالب الدنيا ، وطالب الآخرة ، وطالب اللّه .
وقال اللّه تعالى :
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
( القرآن الكريم 3 / 152 ) ، وقال :
يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ
( القرآن الكريم 30 / 38 ) .
وقد ورد :
« للدنيا قوم ، وللآخرة قوم ، وللمجالسة قوم آخرون »
« 2 » . وفي
هامش
( 1 ) قارن بالمعجم المفهرس 7 : 107 ، تحت : هم .
( 2 ) قارن ببهجة الطائفة ، فصل 6 ، ص 40 / 16 - 17 ، وفصل 9 ، ص 52 / 14 ، حيث جاء : وقد قيل : « للجنّة قوم ، وللنار قوم ، وللمجالسة قوم آخرون » ؛ صوم القلب ثمّ قارن ببهجة الطائفة ، فصل 24 ، ص 98 / 3 - 4 ، حيث لخّص القولان بقول واحد : « خلق اللّه للدنيا قوما ، وللآخرة قوما ، وللجنّة قوما ، وللنار قوما -