عالم الأجساد إلى عالم القلب والإلهام . وهذه صفة ذكر الوجود ، لأنّ ذكر الوجود تكليف ، وذكر القلب تشريف . فثمرة ذكر التكليف الثواب ، وثمرة ذكر التشريف الاقتراب . قال اللّه تعالى :
وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ
( القرآن الكريم 96 / 19 ) ، معناه : اسجد بقالبك ، وأنب واشهد بقلبك ، واقترب .
والذّكر ذكران ، والعبادة عبادتان . فذكر اللّسان وذكر القلب ، وأعمال الجوارح وأعمال القلوب . وأشرف الأعمال عمل السّرّ ، ثمّ عمل القلب ، ثمّ عمل الأبدان إذا قيّدها الإخلاص ، وكان على وفق للأمر والنهي والتقوى ، لا على وفق الطبع ومتابعة الهوى . وعمل القلب أشرف ، لأنّ القلب أشرف .
وكذلك عمل كل من له قلب ( شرّف ) على عمل من لا قلب له . وقد مدح اللّه المؤمنين بصلاة قلوبهم ، فقال :
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
( القرآن الكريم 23 / 1 - 2 ) « 1 » . والخشوع في القلب ، ركوع للقلب . وكما أنّ للقلب صلاة ، وصلاته أفضل الصلوات ، فكذلك له صوم ، وصومه أفضل الصيام . وكما أنّ بين القلب والقالب تباين في الصورة والمعنى ، كذلك لعمل القلب تباين عن عمل البدن في الصورة ، لا في المعنى . لأنّ صلاة البدن ركوع وسجود وقيام وتشهّد ، وصلاة القلب خضوع وشهود واستسلام وتجرّد . وكما أنّ صوم البدن هو الكفّ عن المأكول والمشروب ، كذلك صوم القلب كفّ عن كلّ فضول أو ما يوقع في فضول .
ثمّ إنّ « 2 » أرباب صوم القلب طوائف : طائفة صوم قلوبهم ترك المحظورات قولا وسماعا ، وهو لأهل البدايات . وطائفة صوم قلوبهم حفظ القلوب ، كيلا يوسوس فيها « 3 » العدوّ ( 3 آ ) بذكر ، صغيرة وكبيرة من الذّكر ؛
هامش
( 1 ) « هم » لم ترد في الأصل .
( 2 ) إن : أضيفت في الهامش .
( 3 ) فيها ، في الأصل : فيه .