هذا الحديث الشريف ، تضمن من أسرار المعرفة باللّه العجائب ، فإنه أمر بالتخلي عن الصفة الإبليسية ، وهي : الحسد ، ثم بالتجرد من الصفة النفسانية ، وهي :
البغض لغير اللّه تعالى ، ثم بالترفع عن الصفة السافلة الهوائية ، وهي : التجسس ، ثم بعد أن أكمل درجات التنقية ، أمر برؤية عدم الفرقية بين المرء وبين إخوانه ، وأن هذا من أمر اللّه تعالى .
وإذا كملت للعبد هذه الخصال ، فقد أحكم شأن المعرفة باللّه ، ومن هذا السر قول سيدنا عليّ كرّم اللّه وجهه ، ورضي اللّه عنه : « من عرف نفسه ، فقد عرف ربه » .
ليس منا من التفت إلى غيرنا
أي بني ! اعلم أن العبد بين اللّه وخلقه :
إن التفت منه إلى الخلق ، تجرّد عن الحق ، وصار متروكا محروما مخذولا .
وإن التفت إلى اللّه عن الخلق ، قرّبه اللّه وأدناه ، وأوصله إلى قربه ، فإنّ اللّه تعالى إذا أحبّ عبدا غار عليه على قدر قربه منه ، وحبه له ، ولم يحتمل منه الالتفات إلى شيء سواه ، فإنه إن نظر إلى شيء دونه ، عذّبه اللّه بذلك الشيء ، وجعله وبالا عليه .
أما ترى إن إبليس لعنه اللّه ، نظر إلى نفسه ، وقال عن آدم : أنا خير منه ! فلعنه وطرده .
وكذلك نظر فرعون إلى ملكه ، وقال : أليس لي ملك مصر ؟ فغرقه .
وقارون نظر إلى ماله وقال : إنما أوتيته على عدم عندي ! فخسف اللّه به وبداره الأرض ! .
وكذلك الملائكة : نظروا إلى تسبيحهم وتقديسهم حيث قالوا :
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
[ البقرة : 30 ] فابتلاهم اللّه تعالى بالسجدة لآدم .
وكذلك كل من قال : أنا ، يقول اللّه تعالى : لا . بل أنا ، ثم يرده إلى أسفل السافلين .
وكل من يقول : أنت اللّه ، يرفعه إلى أعلى عليين .
والالتفات على وجهين ، التفات العين ، والتفات القلب .
فالتفات العين مثل ما قال اللّه تعالى لمحمد حبيبه عليه الصلاة والسلام :
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى
( 131 ) [ طه : 131 ] .