وقال العارف السريّ السّقطي رضي اللّه عنه : كنت في طلب صديق لي ثلاثين سنة ، فلم أظفر به ، فمررت يوما في بعض الجبال ، فإذا هو قائم على صخرة ، فدنوت منه وأخذت ذيله ، فقال : خلّ عني يا سري ! فإن الحق غيور ، فلا يراك تأنس بغيره ، فتسقط من عينيه ! .
وحكي أن رابعة - رحمها اللّه تعالى - كانت في طريق مكة ، فأقبل إليها رجل وقال : يا هذه ! كلّي بكلّك مشغول .
فقالت : إن كنت صادقا ، فكلّي لكلّك مبذول ! إلّا أنّ لي أختا أحسن مني وهي وراءك ! فالتفت الرجل ، فلطمته رابعة على وجهه ! وقالت :
إليك عني يا بطال ! ادّعيت محبتنا ، ثم نظرت إلى غيرنا ؟ رأيتك من بعيد فقلت : وجدت عارفا ، فلما تكلمت قلت : وجدت عاشقا ، فلما جرّبتك وجدتك كذابا ! .
ما رأيت معك صفاوة العارفين ومروءتهم ، ولا طريقة العاشقين وصيانتهم .
فصاح الرجل ، وجعل التراب على رأسه ، وقال : ادّعيت محبة مخلوق فأعرضت عنه ، جاءت اللطمة على وجهي ! فأخاف أن أدعي محبة الخالق ، فإذا أعرضت قلبي أن تكون اللطمة على قلبي .
وأما الالتفات بالقلب ، فقد حكي أنه كان لفتح الموصلي صبي ، فيوما من الأيام عانقه وقبله ، فنودي من الهواء : يا فتح ! ادّعيت محبتنا وفي قلبك حب غيرنا ؟ فصاح صيحة ، خرّ مغشيا عليه .
ونظرت رابعة البصرية إلى رباح القيسي ، وهو يقبل صبيا من أهله ، فقالت :
أتحبه ؟ قال : نعم ، قالت : ما كنت حسبت أنّ في قلبك موضعا فارغا لمحبة غيره ؟ .
ففزع القيسي فزعا شديدا حتى غشي عليه ، فأفاق وهو يمسح العرق عن وجهه .
قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته » « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 177 ) ، ( 3 / 1338 ) ، ومسلم ( 4 / 1854 ، 1855 ، 1856 ) .