العطشان إلى الماء الزلال ، فإذا قرب أجلهم ، أتاهم ملك الموت مع سبعين ألف ملك من اللّه بالتحية والسلام ، كما قال اللّه تعالى :
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 32 ) [ النّحل : 32 ] .
وكذلك يجيء الملك للمؤمن على أطيب ريح ، وأحسن صورة .
فيقول المؤمن له : مرحبا ، لأي أمر جئت ؟ .
فيقول له : لقبض روحك ، على أي حال تحب أن أقبض روحك ؟ .
فيقول : إذا كنت في السجود ، فيفعل ذلك ملك الموت ، فيأتيه حافظاه ويقول أحدهما لصاحبه : كان لنا صاحبا وأخا ، قد حان له الفراق ، فيقولان له : جزاك اللّه خيرا ، وغفر لك ، فنعم الأخ كنت ، لقد كنت أيسر مؤمن ، ونعم ما قدمت لنفسك :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
( 28 ) [ الفجر : 27 ، 28 ] بالروح والراحة .
وتقول روحه لجسده : جزاك اللّه عني خيرا ، كنت تحب الخير وأهله ، وتبغض الشر وأهله ، أستودعك اللّه .
مرّ بجنازة على أمير المؤمنين عليّ - كرّم اللّه وجهه ورضي عنه - فقال :
مستريح ، أو مستراح منه ، فقيل له : من المستريح ؟ .
قال : المؤمن إذا مات استراح من نصب الدنيا ، وإيذاء أهلها ، فلقي رحمة اللّه عليه ، والمستراح منه الفاجر ، إذا مات استراح منه العباد والبلاد .
قال مأمون السلمي رحمه اللّه : لما توفي أبو عبد اللّه بن مقاتل - رحمه اللّه تعالى - غسلناه وكفناه ودفناه ، فهتف بنا هاتف من السماء :
الحمد للّه الذي أوصل الحبيب إلى الحبيب ، راضيا مرضيا .
وقال رجل من أصحاب أبي عبد اللّه : رأيته في المنام بعد موته ، كان يتبختر في حظيرة القدس ! فقلت له : ما هذا التبختر ؟ يا أبا عبد اللّه أليس قد نهينا عنه ؟
فقال : هذا مشي الخدام ، في دار السلام ، عند الملك العلام .
ورؤي ذو النون - رحمه اللّه تعالى - بعد موته في المنام ، فقيل له : ما حالك ؟ قال :
سألت اللّه أربع مسائل ، فأعطاني اثنتين ، وأنتظر اثنتين ، قيل : وما هنّ ؟ قال : قلت :
إلهي ! إن قبضت روحي فلا تكلني إلى ملك الموت .
وإن سألتني فلا تكلني إلى منكر ونكير .