فقال أبو هريرة له : إن قدرت تشتري الموت لي فافعل ، فإنه طال شوقي إلى ربي ، وإن الموت أحب إليّ من شرب الماء البارد للعطشان ، وأحلى من العسل ، ثم بكى بكاء شديدا ، وقال : واشوقاه إلى من يراني ولا أراه ، وغشي عليه .
قيل لأويس رحمه اللّه تعالى : كيف أصبحت ؟
قال : كيف يصبح من إذا أصبح لا يشتهي أن يمسي ، وإذا أمسى لا يشتهي أن يصبح ، وطال شوقه إلى منى قلبه .
قال مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى : كنت أسير في بعض حيطان البصرة ، فرأيت شابا مريضا أشعث أغبر ، مستقبلا للقبلة ، يقول : قرة عيني ، طال شوقي إليك ، وما آن أن ألقاك ؟ فإلى متى تحبسني عنك ؟
فقلت : يا شاب ! هذا الوقت الذي يطلب فيه الأحبة محبوبهم ؟ .
فقال : الحبيب في كل الأوقات موجود ، ليس بمفقود ، بل هذا الوقت الذي تظهر الأحبة احتراقهم بحبيبهم ، ويكشف المشتاقون كتمان سرائرهم ، بهيجان نيران الاشتياق إلى مناهم .
وحكي أن رجلا من أهل البصرة ، بكى على شوقه حتى ذهب عيناه ، ثم قال :
إلهي ! إلى متى لا ألقاك ؟ فبعزتك لو كانت بيني وبينك نار تلتهب ، ما رجعت عنك - بعونك وتوفيقك - حتى أصل إليك ، ولا أرضى منك بدونك .
قيل : كان لفتح الموصلي - رحمه اللّه تعالى - ابنتان عارفتان ، فخرجتا إلى الحج ، فلما وقعت أعينهما على البيت قالت إحداهما للأخرى : يا هذه ! أهذا بيت ربي ؟ !
فقالت الأخرى : نعم ، فصاحت صيحة ، وماتت من ساعتها ! .
وقالت الأخرى : إلهي ! أشكو من نفسي إليك ، وقد طال شوقي إليك آه ، آه ، آه ، تقولها حتى ماتت .
وقيل لأبي بكر الواسطي رحمه اللّه : ما حظيرة القدس ؟
قال : هي حظيرة جعلها اللّه لاستماع كلامه ومناجاته ، والنظر إلى وجهه ، حيث شاؤوا ومتى شاؤوا ، وتلا قوله :
وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
[ فصّلت : 31 ] .
قال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى : دخلت جبل لبنان ، فإذا أنا بشاب قائم يقول : يا من قلبي له محب ! ونفسي له خادمة ، وشوقي إليه شديد ، متى ألقاك ؟ .
فقلت : رحمك اللّه ! ما علامة حب اللّه ؟ .
قال : حب ذكره ، قلت : فما علامة المشتاق ؟ قال : أن لا ينساه في كل حال .