تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
فقال أبو هريرة له : إن قدرت تشتري الموت لي فافعل ، فإنه طال شوقي إلى ربي ، وإن الموت أحب إليّ من شرب الماء البارد للعطشان ، وأحلى من العسل ، ثم بكى بكاء شديدا ، وقال : واشوقاه إلى من يراني ولا أراه ، وغشي عليه . قيل لأويس رحمه اللّه تعالى : كيف أصبحت ؟ قال : كيف يصبح من إذا أصبح لا يشتهي أن يمسي ، وإذا أمسى لا يشتهي أن يصبح ، وطال شوقه إلى منى قلبه . قال مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى : كنت أسير في بعض حيطان البصرة ، فرأيت شابا مريضا أشعث أغبر ، مستقبلا للقبلة ، يقول : قرة عيني ، طال شوقي إليك ، وما آن أن ألقاك ؟ فإلى متى تحبسني عنك ؟ فقلت : يا شاب ! هذا الوقت الذي يطلب فيه الأحبة محبوبهم ؟ . فقال : الحبيب في كل الأوقات موجود ، ليس بمفقود ، بل هذا الوقت الذي تظهر الأحبة احتراقهم بحبيبهم ، ويكشف المشتاقون كتمان سرائرهم ، بهيجان نيران الاشتياق إلى مناهم . وحكي أن رجلا من أهل البصرة ، بكى على شوقه حتى ذهب عيناه ، ثم قال : إلهي ! إلى متى لا ألقاك ؟ فبعزتك لو كانت بيني وبينك نار تلتهب ، ما رجعت عنك - بعونك وتوفيقك - حتى أصل إليك ، ولا أرضى منك بدونك . قيل : كان لفتح الموصلي - رحمه اللّه تعالى - ابنتان عارفتان ، فخرجتا إلى الحج ، فلما وقعت أعينهما على البيت قالت إحداهما للأخرى : يا هذه ! أهذا بيت ربي ؟ ! فقالت الأخرى : نعم ، فصاحت صيحة ، وماتت من ساعتها ! . وقالت الأخرى : إلهي ! أشكو من نفسي إليك ، وقد طال شوقي إليك آه ، آه ، آه ، تقولها حتى ماتت . وقيل لأبي بكر الواسطي رحمه اللّه : ما حظيرة القدس ؟ قال : هي حظيرة جعلها اللّه لاستماع كلامه ومناجاته ، والنظر إلى وجهه ، حيث شاؤوا ومتى شاؤوا ، وتلا قوله :
وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
[ فصّلت : 31 ] . قال إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى : دخلت جبل لبنان ، فإذا أنا بشاب قائم يقول : يا من قلبي له محب ! ونفسي له خادمة ، وشوقي إليه شديد ، متى ألقاك ؟ . فقلت : رحمك اللّه ! ما علامة حب اللّه ؟ . قال : حب ذكره ، قلت : فما علامة المشتاق ؟ قال : أن لا ينساه في كل حال .