بعض أهل المعرفة حضرته الوفاة ، فبكت امرأته ، فقال : ما يبكيك ؟ قالت :
كيف لا أبكي ، وأنا أبقى منك فردا .
قال : يا هذه ! أنا منذ أربعين سنة بكيت شوقا إلى هذا اليوم ، فإنه يوم وصلتي وألفتي وراحتي ، فمرحبا به ! .
وحكي أن الحسن البصري رضي اللّه عنه حضرته الوفاة ، وكانوا يلقنونه الشهادة ، ففتح عينيه وقال : إلى متى تدعونني إليه ، وأنا محترق به منذ عشرين سنة ؟ .
وسئل سهل بن علي - رحمه اللّه تعالى - عن خفقان قلب الخليل ، وأزيز قلب المصطفى صلى اللّه عليهما وسلم .
فقال : خفقانه من الخوف ، وأزيزه من الشوق .
وبكت رابعة العدوية - رحمها اللّه تعالى - عند موتها ، وضحكت من ساعتها ، فقيل لها في ذلك ! .
فقالت : أما بكائي ، فمن مفارقتي الذكر آناء ليلي ونهاري ، وأما ضحكي ، فمن سروري بلقائه ، وماتت من لحظتها .
ومرض أبو الدرداء رضي اللّه عنه ، فقيل له : ألا ندعو لك طبيبا يداويك ؟ .
فقال : الطبيب أمرضني ، طال شوقي إلى ربي ، وإلى قرّة عيني محمد صلى اللّه عليه وسلم وإلى إخواني الذين مضوا من قبلي ، وإني أخاف أن أفرّق عنهم .
وكان ذو النون - رحمه اللّه تعالى - يقول ليلة إلى الصباح : المستغاث ، المستغاث ، ثم دخله السكينة ، فقيل له في ذلك ! .
فقال : نظرت البارحة بعين السر ، في ملاحظة الحق ، حتى بسط إليّ بساط محبته ، وغلبني الاشتياق إليه ، فاستغثت إليه بالخروج من الدنيا ، كما يستغيث أهل النار بالخروج منها .
ثم نظرت إلى سرور المجتهدين في الدنيا ، ومؤانسة المريدين في ظلم الليالي ، وافتراشهم الجبهة بين يدي علّام الغيوب بصفاء القلوب ، فدخلت عليّ السكينة .
قال عقبة بن سلمة رحمه اللّه تعالى : ما من ساعة يكون العبد أقرب إلى اللّه من حين يخر ساجدا ، وما من خصلة في العبد أحب إلى اللّه من الشوق إلى لقائه .
وفي الخبر : نعم التحفة للمؤمن لقاء مولاه .
قال محمد بن يوسف رحمه اللّه تعالى : لو خيّرت بين أن أعيش في الدنيا مائة سنة ، أعبد اللّه تعالى لا أعصيه طرفة عين ، وبين أن أموت ، لاخترت الموت .
قيل : ولم ذلك ؟ قال : من شدة اشتياقي إليه ! .
* * *
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى — صفحة 169
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٦٩