وفي الخبر : إن الذهب ليجرّب بالنار ، والعبد الصالح ليجرّب بالبلاء .
والحكمة في امتحان اللّه تعالى عباده الصالحين : إظهار ما في ضمائرهم من صدق الدعوى وكذبه ، وحقيقة المعنى وبطلانه ، ليكون فيه ظهور مرتبة الصدّيقين ، وافتضاح غيرهم .
أما ترى أنه لا يسع للحاكم أن يحكم للخصم على إحاطة علمه ، في تصديق دعواه وبطلانه ، من غير أن يظهر لغيره ذلك ! .
قال تعالى :
ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
( 2 ) [ العنكبوت : 1 ، 2 ] .
وقال تعالى :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
[ الأحقاف : 35 ] .
وقال تعالى :
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ
[ الأنفال : 8 ] .
ثم اختلفوا ، فقال بعض العلماء : من يعبده على بساط النعمة ، أولى ممن يعبده على بساط المحنة ، لأن منزلة الشكر ، أفضل من منزلة الصبر ، وذلك لأن الشكر على النعمة طاعة على بساط الفراغة ، والصبر على الشدة طاعة على بساط الشغل .
وليس من عبد اللّه فارغا ، كمن عبده مشغولا ! .
وقال بعضهم : من يعبده على بساط المحنة أفضل ، لأن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أفضل مرتبة ممن دونهم ، فامتحن اللّه عامتهم بأنواع المحن والبلاء .
وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أشدّ النّاس بلاء الأنبياء » « 1 » الخبر .
وإن الكفرة هم أهون الخلق على اللّه ، وعيش عامتهم بأنواع النعم .
وليس من طلبه بنفي الحجاب ، كمن طلبه من وراء الحجاب .
وبشّر الصابرين :
والشاكر يطلبه من وراء الحجاب ، والصابر يطلبه دون الحجاب .
والشاكر يعبده على حظ نفسه ، والصابر يعبده على حب ربه .
والشاكر مفتخر بملكه ، والصابر مفتخر بمليكه .
والشاكر حبس نفسه مع النعمة ، والصابر حبس قلبه مع المنعم .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2139 ) ، والحاكم ( 1 / 99 ) ، وأحمد ( 6 / 369 ) .