قال : فترك الحديث ، وأقبل على قراءة القرآن .
وروي أن اللّه تعالى ، أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام : لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا في الدنيا وأهلها ، فيصدك عن طريق محبتي ، أولئك قطّاع الطريق على عبادي .
ويقال : أصل المحبة هو المحو ، إلّا أنها على ثلاث مدارج ، العام ، والخاص ، وخاصّ الخاص .
فأما العام : فمحو القلب عن حب الذنوب والمعاصي .
والخاص : محو القلب عن حب الدنيا وأهلها .
وخاص الخاص : محو القلب عن حب ما دون اللّه تعالى .
وقال يحيى بن معاذ - رحمه اللّه تعالى - في بعض مناجاته :
إلهي ! لا تعذب قلبا أنت حبيبه .
إلهي ! إن تعذبني عذبت من أحبك ، وإن أهنتني أهنت من أحبك ، وإن أكرمتني أكرمت من أحبك .
وحكي أن أبا يزيد - رحمه اللّه تعالى - تكلم يوما بكلام أهل المحبة ، فجاء طائر فلم يزل يدنو منه ، حتى جلس بين يديه ، ثم ضرب بمنقاره على الأرض ، وسال منه الدم حتى مات ! .
وحكي أن واحدا من العارفين ، مرّ برجل من العيّارين - وهم أصحاب الهمّة في أعمالهم - ، يضرب عبدا له بعود ، والعبد يضحك في وجهه ! .
فقيل له : يا هذا ! يضربك السيد بالسياط ، وأنت تضحك ! .
قال : من حلاوة حبه ، لا أجد ألم الضرب ! .
فصاح العارف ، وخرّ مغشيا عليه .
وقال يحيى رحمه اللّه تعالى : ليس بصادق في حبه ، من لم يحفظ حدوده ، ولم يعظم حرمته ، ولم يعرف منته .
وحكي أن رجلا جاء إلى عبد الواحد بن زيد فقال : أخبرني بأقرب الأعمال إلى اللّه تعالى ، وأعظمها عنده زلفى ، فقال : أن تحبّ ما يحبّ اللّه . فقال : اشرح لي صفة المحبة ؟ .
فبكى عبد الواحد وقال : أتحتمل ؟ قال : ما شاء اللّه .
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى — صفحة 157
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص١٥٧