اللّه عزّ وجلّ لا دنيا ولا آخرة ، وإنما يطلب من مولاه .
( يا غلام ) ارجع بقلبك إلى اللّه عزّ وجلّ ، التائب إلى اللّه هو الراجع اليه ، وقوله عزّ وجلّ :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
« 1 » .
أي ارجعوا إلى ربكم ، يعنى ارجعوا سلموا الكلّ إليه ، سلموا نفوسكم إليه واطرحوها بين يدي قضائه وقدره وأمره ونهيه وتقليباته ، واطرحوا قلوبكم بين يديه بلا السنة ، بلا أيد ، بلا أرجل ، بلا أعين ، بلا كيف ولا لمّ ولا منازعة ، بلا مخالفة ، بل بموافقة وتصديق .
قولوا : صدق الأمر ، صدق القدر ، صدقت السابقة ، إذا كنتم هكذا لا جرم تكون قلوبكم منيبة إليه مشاهدة له ، لا تستأنس بشيء بل تستوحش من كل شيء مما تحت العرش إلى الثرى ، تهرب من جميع المخلوقات ، تبقى منخلعة منقطعة منسائر المحدثات . لا يحسن الأدب مع الشيوخ إلا من قد خدمهم واطلع على بعض أحوالهم مع اللّه عزّ وجلّ . القوم قد جعلوا الحمد والذم كالصيف والشتاء والليل والنهار ، وكلاهما يرونهما من اللّه عزّ وجلّ لأنه لا يقدر يأتي بهما إلا اللّه عزّ وجلّ .
فلما تحقق عندهم ذلك لم يعتدوا بالحامدين ، ولم يحاربوا الذامين ، ولم يشتغلوا بهم ، خرج من قلوبهم حبّ الخلق وبغضهم ، لا يحبون ولا يبغضون بل يرحمون ، إيش ينفعك علم بلا صدق ؟ قد أضلك اللّه على علم ، تتعلم وتصلي وتصوم للخلق حتى يقرّوا إليك ويبذلوا لك أموالهم ويمدحوك في بيوتهم ومجالسهم ، قدّر أنه يحصل لك هذا منهم ، فإذا جاءك الموت والعذاب والضيق والأهوال يحال بينك وبينهم ، ولا يغنون عنك شيئا .
وما حصلته من أموالهم يأكله غيرك ، والعقوبة والحساب عليك . يا مدبر يا محروم ، أنت من العاملة الناصبة في الدنيا ناصبة غدا في النار . العبادة صنعة وأهلها الأولياء ، والأبدال المخلصون المقربون مع الحق عزّ وجلّ . العلماء العمال بالعلم نوّاب اللّه في ارضه ورسله ، ورثوا الأنبياء والمرسلين ، لا أنتم يا مهووسين يا مشغولين بلقلقة اللسان وفقه الظاهر مع جهل الباطن .
هامش
( 1 ) سورة الزمر آية : 54