تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢

المجلس الخامس عشر [ في إيثار المؤمن على نفسه ]

وقال رضي اللّه عنه يوم الأحد بالرباط تاسع ذي القعدة سنة خمس وأربعين وخمسمائة : المؤمن يتزوّد والكافر يتمتع ، المؤمن يتزوّد لأنه على طريق يقنع باليسير من ماله ويقدم الكثير إلى الآخرة ، يترك لنفسه بقدر زاد الراكب بقدر ما يحمله ، كل ماله في الآخرة ، كل قلبه وهمته هناك ، هو منقطع القلب هناك من الدنيا ، يبعث جميع طاعاته إلى الآخرة لا إلى الدنيا وأهلها ، إن كان عنده طعام طيب يؤثر به الفقراء ، يعلم أنه في الآخرة يطعم خير منه . غاية همة المؤمن العارف العالم باب قربه من الحق عزّ وجلّ ، وأن يصل قلبه إليه في الدنيا قبل الآخرة ، القرب من الحق عزّ وجلّ غاية خطوات القلب ومسارة السرّ ، إني أراك في قيام وقعود وركوع وسجود وسهر وتعب وقلبك لا يبرح من مكانه ولا يخرج من بيت وجوده ولا يتحول عن عادته . أصدق في طلب مولاك عزّ وجلّ وقد أغناك صدقك عن كثير من التعب . انقر بيضة وجودك بمنقار صدقك ، وانقض حيطان رؤيتك للخلق والتقيد بهم بمعاول الإخلاص وتوحيدك ، اكسر قفص طلبك للأشياء بيد زهدك فيها ، وطر بقلبك حتى تقع على ساحل بحر قربك من ربك عزّ وجلّ ، فحينئذ يأتيك ملاح السابقة ومعه سفينة العناية فيأخذك ويعبرك إلى ربك عزّ وجلّ ، هذه الدنيا بحر وإيمانك سفينتها . ولهذا قال لقمان الحكيم رحمه اللّه : يا بنىّ ، الدنيا بحر والإيمان سفينة ، والملاح الطاعات ، والساحل الآخرة . يا مصرّين على المعاصي عن قريب يأتيكم العمى والصمم والزمن والفقر ، وقساوة قلوب الخلق عليكم تذهب أموالكم بالخسارات والمصادرات والسرقات . كونوا عقلاء ، توبوا إلى ربكم عزّ وجلّ ، لا تشركوا بأموالكم وتتكلوا عليها ، لا تقفوا معها ، أخرجوها من قلوبكم واجعلوها في بيوتكم وجيوبكم ومع غلمانكم ووكلائكم ، وارتقبوا الموت . قللوا حرصكم وقصروا آمالكم . ( عن أبي يزيد البسطامي ) رحمة اللّه عليه أنه قال : المؤمن العارف لا يطلب من
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 72 | عبد القادر الجيلاني