طبيبه المحبوب في بيته ، هو يتولى أغذيته ومشروباته .
ثم صرخ صرخة عظيمة وقام يميل تارة عن يمينه وتارة عن شماله ، ورفع يديه إلى السماء مشيرا بالتسليم ، وكذلك إلى آخر مجلسه ثم قال : وا حريقاه ، وا مصيبتاه عليكم ، ثم مدّ يديه للدعاء وقعد للدعاء ولم يتكلم ، ثم عاد وقام يتلوّن وجهه ، تارة صفرة وتارة حمرة .
القلب إذا ارتفع عن الدنيا وصار ضيف قرب الحق عزّ وجلّ يأبى العصمة من الخلق في الجملة من العرش إلى الثرى ، كأن الخلق لم يخلقوا ، كأن اللّه ما أحدث شيئا ، كأن لا خلق غيره ، يعني صاحب هذا القلب الموصوف واحدا لواحد ، محبّ ومحبوب ، وطالب ومطلوب ، ذاكر ومذكور ، لا يرى غيره .
وقال رضي اللّه تعالى عنه : جاءني خبر ما يكون من بلاء يأتي هذه البلدة ، ثم دعا لأهل البلدة بالدفع عنهم .
ثم قال كالمذل : لعمري إن في هذه من يستحق القتل والصلب ، ولكن لعين تكرم ألف عين ، تهلكنا بهم ، تأخذنا بذنوبهم ؛ إيش عملنا نحن ؟ يقول ذلك بكلام مغضب ، جعلت الصديق والعدو في كير القدر ، ذابا صارا سبيطة واحدة .
لا تطلب شيئا من الكرامات والمعجزات ، أنت لا تزاحم الأنبياء في المعجزات ولا الأولياء في الكرامات ، إن أردت قرب الحق وصحبته ، إذا دامت الصحبة لقمك شيئا أكلت ، كساك شيئا لبست ، تمنى هذه الأشياء حجاب وردها بعد مجيئها حجاب الأولياء ، إذا سلك بهم إلى الحق عزّ وجلّ تخدمهم الجن والإنس والملك .
أينما سقطوا لقطوا حتى يذهب عنهم وهج الدنيا والوجود ، يخدمهم اللطف هنالك والدلال ، حتى إذا أذن لهم بالدخول إلى باب القرب صدمتهم الآفات ، آفات الجلال لتذوب نفوسهم وبقايا من وجودهم ، يحبس عنه فتوح الظاهر طعام الظاهر ولباسه وعاقبته ، يبقى القلب مجرّدا مع السرّ الصافي ، يقدم لهم طعام الفضل وشراب الأنس تاج الكرامة لباس المنة ، يقلم العلم اللدني والحكمة ، ثم يعرّفهم الملك أسماءهم ، يعرّفهم نعمه السالفة والآنفة ، ويسكنهم جميع ذلك ويردّهم إلى الوجود لإصلاحهم وهدايتهم ودلالتهم وسفارتهم ، ثم يمكن قلوبهم من التكوين وألسنتهم من السؤال والدعاء مع
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 327
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٣٢٧