طالب الدنيا كثير وطالب الآخرة قليل ، وطالب الحق عزّ وجلّ قليل ، قليل أنت مع دنياك ، ليلا ونهارا تستخدمك وتقطعك ، نحن نستخدمها وما يتقلب فيها فكيف أنت ؟
يا مدبر لابد فيها من يد الشرع والعلم ، ما يفتياك به خذ وما لم يفتياك به فامتنع ، ما تحسن تناجي ربك ، توقف عند بيعك وشرائك ولقمتك وأخذك وعطائك وكلمتك .
ما كان للّه فانتزه وما كان لغيره فانته عنه ، إذا غلبت المحبة سقط التمييز بين الدنيا والآخرة ، بين العطاء والمنع ، بين القول والرد ، امتلأ قلبه بحبه ، اتحد خير محبوبه وشرّه ، اتحدت أبوابه وجهاته ، الحبّ جمع بين ذلك ، اتحد الخبر والعيان ، الضرّ والمنفع ، أبدا قلبه في وجد ، تارة يجد بذكره اللّه تعالى جلالا وأخرى بذكر اللّه جمالا ، نهاره داهش كلما قرب إليه بعد ، كنار موسى عليه السلام ، كلما قرب منها بعدت حتى انتهى إلى :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ
« 1 » .
هكذا القلب يرى أنوار القرب كلما تقدم بعدت :
حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ
« 2 » .
انقطاع الخطوات أجله ، ينقلب الأمر يصير الطالب مطلوبا والقاصد مقصودا والمريد مرادا ، جذبه من جذبات الحق خير من عمل الثقلين ، يرى عبده خارجا من بيت طبعه وشهواته وهواه ، مودعا للخلق وتاركا للشهوات طالبا له متغيرا .
يقوم ويقعد لا زاد ولا راحة ولا رفيق ، يواصل الضياء بالظلام صياما وصلاة ومجاهدة ، بينما هو على ذلك فإذا هو على باب قربه ، في حجر لطفه ، على مائدة فضله ناظر إلى سابقته ، تحبّ العالي وأنت في التخوم ، تحب الجنة ولا تعمل عملها .
قال بعضهم : احبس نفسك عن المألوفات ، لا تأكل ولا تتناول لقمة إلا بتوقيع من اللّه تعالى ، ولا تتناول دواء إلا بأمره ، ينقلب مزاجه بما يخرج من كتب الطب وفتواهم :
وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) سورة طه آية : 14 .
( 2 ) سورة البقرة آية : 235 .
( 3 ) سورة الأعراف آية : 196 .