واحدا بل يسير ، غاية أسفار القوم قرب الحق ، السير سير القلوب ، سير الأسرار ، إذا وصولوا إلى الباب استأذن السرّ فيؤذن له ، ثم يستأذن بعد الأنس للقلب ، صار نجم قلب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قمرا ، والقمر شمسا ، والخلوة جلوة ، والباطن ظاهرا . العبد في حالتي المدّ والجزر أخذ رأسه في زيقه وخيمة سرّه على جملته ، يرى ما تحت البحر من الجواهر وما يمدّ يده عليها يشير إلى حاضر عنده ، أنت يا فلان خذ كذا وأنت خذ كذا ، هم الملوك ، ملوك الأرض والسماء بين يدي الحق عزّ وجلّ على وجه النيابة والخلافة .
أنا على باب الملك أنتظرهم ، ناظر إليكم يقظة ومناما ، لكم أقاسي أذى هذه البلدة أصبر تحت آفاتهم ، أواصل الضياء بالظلام غما وهما ، وفكرا وترويا ، كلما تقدمت قدما رددت .
إبراهيم بن أدهم تحير في دعائه فغمضت عيناه ، سمع اللّه عزّ وجلّ يقول : يا إبراهيم قل اللهمّ رضني بقضائك ، وصبرني على بلائك ، وأوزعني شكر نعمائك ، وأسألك تمام نعمتك ، ودوام عافيتك ، والثبات على محبتك . نبينا صلى اللّه عليه وسلم ألقى على قلبه طنينا ، نبا قلبه عن أهله ، خرج إلى حراء وهي قطعة من طور سيناء « 1 » ، جاء نسيم رائحة الوحي ، كان فيه كهف ، كان فيه عابد يقال له أبو كبشة جاء مكانه يعبد ربه .
بينما هو كذلك يرى الرؤيا تكون مفلق الصبح ، إذا نودي يا محمد يا محمد ، هرب من الصوت ، جاء إلى بيته فقال : زملوني دثروني ، إني أسمع صوتا ، قيل يا محمد ، هذا لا يتدبر بالتزميل والتدثير .
وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ
« 2 » .
هذا هو القلب ، مثله مثل نواة في صحن ، دار لا سقف لها ، لها أربع حيطان واقفة ، غيث الشتاء وشمس الصيف ينزلان عليها ، تنبت وأحد لا يراها ، إذا ظهر سغفها وشمخت وأثرت وأينعت التقطوا منها ولا سبيل لهم عليها ، هكذا القلب .
إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
« 3 » .
هامش
( 1 ) أي تماثلها فهذا جبل وذاك جبل وفي كل منهما نزلت رسالة السماء فكلم اللّه سبحانه وتعالى موسى عليه السلام على جبل سيناء ، ونزل الوحي على محمد صلى اللّه عليه وسلم على جبل حراء .
( 2 ) سورة يوسف آية : 21 .
( 3 ) سورة عبس آية : 22 .