تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
( يا غلام ) أغلق باب منة الخلق وقد فتح لك باب منة الحق ، ثم قام وجعل يميل تارة يمينا وتارة شمالا واضعا يده على صدره قابضا على ثدييه ثم قعد وقال : يا أعمى ادخل هذا الباب المفتوح ، إنما هو بابان : مغلق ومفتوح ، ادخل هذا المفتوح ، اصحب السبب بالسنة إحياء لشرع نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم تقدم إلى المسبب باتباع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في حاله ، الكسب سنته والتوكل حالته ، ثم إن قدرت أن تفنى عنك فافعل ، لا مع السبب ولا مع الحال ، مفوّضا للحق يكفيك ، يرفعك ويقربك ، بل يعطيك ما لا تعرف .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
« 1 » . مسلما لأمواج قدره ، أينما سقطت لقطت فضل اللّه عزّ وجلّ ، أينما توجهت فثم وجه اللّه ، رايت قربه وأنسه ورأفته ورحمته . مثل الغنى مثل رجل أعمى يأتيه طعامه على أطباق ، تأتيه ولا يعلم جهتها ، حتى إذا علم أصلها طلب تلك الجهة وسدّ جميع جهاته ، هكذا هذا العبد إذا عرف أن اللّه هو المسهل هو المعطي هو الموجه إليه ذلك يعلق قلبه باللّه تعالى . نفسك معشوقتك ، لو علمت أنها عدوتك وقاتلتك لخالفتها ، مانعتها الطعام والشراب إلا ما لابد لها منه فذلك حقها . أنت لا تصلح لك الزاوية بل تصلح لك الأسواق ، لا يصلح لك أن تطلع على أسرار اللّه تعالى ، المطلع على أسرار اللّه تعالى يكون أخرس ، من لا يملك سرّه فليخل عن الخلق ليكن مأواه الكهوف والسواحل والبراري والقفار ، من لا يتمكن أن يجمع بين الحكم والعلم 7 « 2 » الغلاء سياط الملك يؤدّب به ، [ قال ذلك في زمان شدة وفاقة ] . ( ويحك ) تطلب الدنيا والآخرة وأنت تدعي المحبة ، يا أحمق ادّعيت محبته وتطلب منه دفع الضرر وجلب النفع ، تنحّ ما أنت من القوم ، أنت عبد الخلق ، عبد النفس والهوى والشهوات ، عندنا محاككم ، عندنا صيارفة ، عندنا نقاد . يا مدعيا ما هذا ؟ تقوم الشيء في غير موضعه ، الدعاء له موضع ، ووقت الكلام له حال ، والسكوت له أخرى ، والنظر له حال ، والغضّ له أخرى ، أين العامل حتى نصحبه ؟ الصديقون تزيد جميع الزمان عليهم العبادة فيه واجبة شكرا للمنعم ، يقابلون
هامش
( 1 ) سورة النور آية : 19 . ( 2 ) كذا في الأصل .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 316 | عبد القادر الجيلاني