كن على حذر مما يتم منها بعد ذلك .
القوم عندهم شغل عن الخلق ، لكن يكلفون النظر إليهم والقعود معهم لأمرهم ونهيهم ، مثل القوم مع الخلق ، مثل قوم أرادوا أن يعبروا بحرا ويمضوا إلى ملك فعرف بعضهم طريقا فعبروا .
فلما حصلوا عنده رأى الملك بقية القوم يتخبطون ويكادون يغرقون ولم يعرفوا الطريق التي سلكها الأوائل ، فأمر من وصل إليه أن يعودوا إليهم ليعرّفوهم الطريق التي جاءوا منها ، فجاءوا فوقفوا على المشرعة ونادوهم : الطريق هاهنا فجعلوا يدلونهم ، فلما قربوا منهم أخذوا بأيديهم ، أصل هذا قوله تعالى :
وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ
« 1 » .
فالعاقل منكم لا يفرح بالدنيا ولا بالأولاد والأهل والأموال والمأكولات والملابس والمراكب والمناكح ، كل هذا هوس . فرح المؤمن بقوّة إيمانه ويقينه ووصول قلبه إلى باب قرب ربه عزّ وجلّ ، ألا إن ملوك الدنيا والآخرة هم العارفون باللّه عزّ وجلّ والعاملون له .
( يا غلام ) متى يصفو قلبك ويصفو سرّك وأنت مشرك بالخلق ؟ وكيف تفلح وأنت في كل ليلة تعين « 2 » من تمضي إليه وتشكو إليه وتكدي منه ، كيف يصفو قلبك وهو فارغ من التوحيد ما فيه ذرة منه ؟
التوحيد نور والشرك بالخلق ظلمة ، كيف تفلح وقلبك فارغ من التقوى ما فيه ذرّة ؟ أنت محجوب عن الخالق بالخلق ، محجوب بالأسباب عن المسبب ، محجوب بالتوكل على الخلق والثقة بهم ، أنت دعوى مجرّدة ، باقة بقل ، ما تعطي بالدعوى بلا بينة .
هذا الأمر إنما يصح بوجهين اثنين :
الأول : هو المجاهدة والمكابدة وحمل الأشقّ والأتعب ، وهو الغالب المعروف بين الصالحين .
والثاني : موهبة من غير تعب ، وهو نادر لآحاد الخلق ، يهب لواحد معرفته
هامش
( 1 ) سورة غافر الآية : 8 .
( 2 ) كذا في الأصل .