المجلس الثاني والستون [ التوحيد ]
وقال رضي اللّه عنه بكرة الجمعة في المدرسة سلخ شهر رجب سنة ست وأربعين وخمسمائة :
وحد الحق عزّ وجلّ حتى لا يبقى في قلبك من جميع الخلق ذرّة ، لا ترى دارا ولا ديارا ، التوحيد يفتل الكل ، كل الدواء في التوحيد للحق عزّ وجلّ ، وفي الإعراض عن حية الدنيا ، اهرب عن هذه الحية إلى أن يجيئك الحواء ، فقلع أضراسها وينزل سمها ويقرّبك إليه ويعرفك صنعته ويسلمها إليك وما بقي فيها أذية ، فتنصرف فيها وهي لا تقدر تلسعك ، إذا أحببت الحق عزّ وجلّ وأحبك كفاك شرّ الدنيا والشهوات واللذات والنفس والهوى والشياطين ، فتأخذ أقسامك من غير ضرر ولا كدر .
يا مدّعيا بغير بينة كم تدعي التوحيد وأنت مشرك ، تقدر أن تخرج معي بالليل تمشي في المواضع الفزعة ، أنا بلا سلاح وأنت بسلاحك ، ثم تنظر من يفزع ؟ أنا أو أنت ؟
من يدخل تحت ثياب الآخرة ؟ أنا أو أنت ؟ تربيت في النفاق وأنا تربيت في الإيمان .
( يا قوم ) أنتم تعدون خلف الدنيا حتى تعطيكم وهي تعدو خلف أولياء اللّه حتى تعطيهم ، تقف بين أيديهم ورأسها مطأطيء ، اضرب نفسك بصمامة التوحيد ، والبس لها خوذة التوفيق ، وخذه لها رمح المجاهدة وترس التقوى وسيف اليقين ، فتارة مطاعنة وأخرى مضاربة ، لا زال كذلك حتى تذلّ لك وتصير راكبا لها ، لجامها بيدك ، تسافر بها برّا وبحرا .
فحينئذ يباهي بك ربك عزّ وجلّ ، ثم تقدم الذين بقوا مع نفوسهم ولم يتخلصوا منها ، من عرف نفسه وغلبها صارت راحلة له تحمل أثقاله ولا تخالفه في أمره . لا خير فيك حتى تعرف نفسك وتمنعها حظها وتعطيها حقها ، فحينئذ تطمئن إلى القلب ، ويطمئن القلب إلى السرّ ، ويطمئن السرّ إلى الحق عزّ وجلّ .
لا ترفعوا عصا المجاهدة عن نفوسكم ، لا تغترّوا بدواهيها ، لا تغترّوا بتناومها ، لا تغتروا بتناوم السبع فإنه يريكم أنه نائم وهو منتظر الفريسة يفترسها ، هذه النفس تظهر الطمأنينة والذلّ والتواضع والموافقة في الخير وهي تبطن بخلاف ذلك .