تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦

المجلس الثالث والأربعون [ في النفس الأمارة ]

وقال رضي اللّه تعالى عنه يوم الأحد بكرة في الرباط حادي عشر شهر رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة : ( يا غلام ) إذا أردت الفلاح فخالف نفسك في موافقة ربك عزّ وجلّ ، ووافقها في طاعته وخالفها في معصيته ، نفسك حجابك عنه معرفة الخلق ، والخلق حجابك عن معرفة الخالق عزّ وجلّ . فما دمت مع نفسك لا تعرف الخلق ، وما دمت مع الخلق لا تعرف الحق عزّ وجلّ ؛ ما دمت مع الدنيا لا تعرف الآخرة ، وما دمت مع الآخرة لا ترى ربّ الآخرة . مالك ومملوك لا يجتمعان ، كما لا تجتمع الدنيا والآخرة فهكذا لا يجتمع الخالق والخلق ، النفس أمارة بالسوء ، هذه جبلتها ، فبعدكم وكم تأمر بما يأمر به القلب ، جاهدها في جميع الأحوال ولا تحتجّ لها بقوله عزّ وجلّ :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 )
« 1 » . ذوبها بالمجاهدة فإنها إذا ذابت وفنيت اطمأنت إلى القلب ، ثم يطمئن القلب إلى السرّ ، ثم يطمئن السرّ إلى الحق عزّ وجلّ ، فيكون شرب الجميع من هنالك ، إذا تمّ تذويبك لها تنادي من حيث قلبك .
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 )
« 2 » . إنما يجيء هذا الخطاب من الحق عزّ وجلّ بعد طهارتها من الأكدار وذوبان شرّها ، وسمن القلب بذكر الحقّ عزّ وجلّ وطاعته ، إذا لم يحصل لها هذا فلا تطمع في تقربها مع كدرها وشرّها ، كيف يحصل لها القرب من الملك مع عدم الطهارة من الأنجاس ؟ قصر أملها وقد أطاعتك إلى ما تريد منها ، عظمها بموعظو الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم وهو قوله :
هامش
( 1 ) سورة الشمس آية : 8 . ( 2 ) سورة النساء آية : 29 .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 176 | عبد القادر الجيلاني