عن بعضهم رحمة اللّه تعالى عليه أنه قال : أبى اللّه أن يعذب حبيبه ، ولكن يبتليه ويصبره . وكان النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم يقول :
( كان الدنيا لم تكن ، وكان الآخرة لم تزل ) .
يا طالبي الدنيا ، يا محبي الدنيا ، تقدموا إليّ حتى أعرفكم عيوبها وأدلكم على طريق الحق عزّ وجلّ وألحقكم بالذين يريدون وجه اللّه عزّ وجلّ ، أنتم على هوس ، اسمعوا ما أقول لكم واعملوا به وأخلصوا بالعمل ، إذا علمتم ما أقول ومتم على العمل رفعتم إلى عليين ، فتنظرون إليّ هناك فترون أصل كلامي من هناك ، فتدعون لي وتسلمون عليّ وتتحققون حقيقة ما أشير إليه .
( يا قوم ) أزيلوا التهمة لي من قلوبكم فلست بلعّاب ولا طالب دنيا ، إنما أقول الحق وأشير إلى الحق ، ما زلت في عمري كله أحسن الظن في الصالحين وأخدمهم .
وذلك الذي ينفعني ، لا أريد منكم أجرة على نصحي لكم وكلامي عليكم ، ثمن كلامي العمل به ، وهو كلام يصلح للخلوة للإخلاص . النفاق ينقطع عند انقطاع الحيل والأسباب ، يرى الإيمان والإيقان لا للنفوس والأهوية ، ينفق على المؤمن لا على المنافق .
( يا قوم ) دعوا عنكم الهوسات والأماني الباطلة ، واشتغلوا بذكر اللّه عزّ وجلّ تكلموا بما ينفعكم واسكتوا عما يضركم ، إن أردت أن تتكلم ففكر فيما تريد أن تتكلم به وحصل فيه النية الصالحة ثم تكلم .
ولهذا قيل : لسان الجاهل أمام قلبه ، ولسان العاقل العالم وراء قلبه . اخرس أنت ، فإن أراد اللّه عزّ وجلّ منك النطق فهو ينطقك ، إذا أرادك لأمر هيأك له ، صحبته خرس كلي ، فإذا تمّ الخرس يجيء النطق منه إن شاء أو يديم ذلك إلى حين الاتصال بالآخرة ، وهذا معنى قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( من عرف اللّه كل لسانه ) .
يكل لسان ظاهره وباطنه عن الاعتراض عليه في شيء من الأشياء ، يصير موافقة بلا منازعة ، يعمى عيني قلبه عن النظر إلى غيره ، يتمزّق ويتلاشى أمره ، ويتفرّق ماله ويخرج من وجوده ، ويخرج دنياه وآخرته ، يذهب اسمه ورسمه .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 174
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٧٤