أنتم اشتغلتم بما يزول وفاتكم مالا يزول ، لا تشتغلون بجمع الأموال والأزواج والأولاد ، فعن قريب يحال بينكم وبين جميع ذلك ، لا تشتغلوا بطلب الدنيا والتعزز بالخلق ، فإنهم لا يغنون عنكم من اللّه شيئا ، قلبك نجس بالشرك ، شاكّ في اللّه عزّ وجلّ ، متهم له متعرّض عليه في جميع أحوالك ، فلما علم منك ذلك بغضك وألقى في قلوب عباده الصالحين بغضك .
كان بعضهم رحمة اللّه تعالى عليه لا يخرج من بيته إلا معصب العينين يقوده ابنه ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : حتى لا أبصر كافرا باللّه عزّ وجلّ ، ففي بعض الأيام خرج من بيته محلول العينين ، فرأى فوقع مغشيا عليه . ما أشدّ ما كانت غيرته للّه عزّ وجلّ كيف تعبد غيره وتشرك به ؟
كيف تأكل نعمته وتكفر به ؟ وأنتم لا تحسنون بذلك بل تؤاكلون الكفار وتقعدون معهم ، لأن ما في قلوبكم إيمان ولا غيرة للحق عزّ وجلّ .
عليكم بالتوبة والاستغفار والحياء منه ، اخلعوا ثياب الوقاحة عليه والتجري بين يديه ، تجنبوا حرام الدنيا وشبهاتها ، ثم تجنبوا مباحاتها بهوى وشهوة لأن تنولكم بالهوى والشهوة يشغلكم عن الحق عزّ وجلّ . قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( الدّنيا سجن المؤمن ) .
كيف يفرح المسجون في سجنه ، ما يفرح ولكن بشره في وجه وحزنه في قلبه بشره على ظاهره والآفات تقطعه من حيث باطنه وخلوته ، ومعناه جراحاته معصية من تحت ثيابه يعطي جراحاته بقميص تبسمه .
ولهذا يباهي به ربه عزّ وجلّ الملائكة ، يومي إليه بالأصابع ، كل واحد من هؤلاء شجاع في دولة دين اللّه عزّ وجلّ وسرّه ، ما زالوا يصبرون معه ويتجرّعون مرارة أقداره حتى أحبهم . قال اللّه عزّ وجلّ :
وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 )
« 1 » .
إنما يبتليك لحبه لك ، كلما امتثلت أوامره وانتهيت عن نواهيه ازددت حبا ، وكلما صبرت على بلائه ازددت قربا منه .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران آية : 146 .